الأحد, 8 نوفمبر 2026|27 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


جيمي ماكغيفر

رغم الخسائر الحادة التي أعقبت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، تشير البيانات التاريخية إلى أن الأسهم تميل إلى تحقيق مكاسب قوية خلال العام التالي للاقتراع. لكن طفرة الذكاء الاصطناعي، ومخاطر التضخم، ومسار أسعار الفائدة، تضع هذه القاعدة التاريخية أمام اختبار غير مسبوق.

قد تكون الخسائر التي تكبدتها الأسواق المالية الأمريكية عقب الهزيمة الانتخابية الكبيرة للجمهوريين الثلاثاء الماضي مؤشرا إلى عام صعب ينتظر "وول ستريت"، غير أن التاريخ يقدم رواية مختلفة؛ إذ اعتادت الأسهم الأمريكية تسجيل مكاسب خلال العام التالي لانتخابات التجديد النصفي، وغالبا ما تكون هذه المكاسب كبيرة. لكن إذا كان الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أظهرت شيئا، فهو أن كثيرا من الافتراضات الاقتصادية والاستراتيجيات الاستثمارية التي شكلت تفكير المستثمرين لعقود لم تعد بالضرورة صالحة للمرحلة الراهنة.

ومع انحسار غبار الانتخابات التي حملت تحولات سياسية بارزة، يبرز سؤال جوهري: هل ستكون هذه المرة مختلفة؟

كانت استجابة المستثمرين لفوز الديمقراطيين لافتة؛ إذ خسرت «وول ستريت» نحو 3.2 تريليون دولار من قيمتها السوقية، فيما هوت أسهم شركات الرقائق الأمريكية 12% الخميس، في ثاني أكبر تراجع لها على الإطلاق، وسط مخاوف من أن يؤدي الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون إلى إبطاء التوسع المتسارع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

فهل تعكس هذه الاضطرابات بداية مرحلة جديدة من التقلبات؟

التاريخ يمنح الأسهم الأمريكية فرصة للصعود

إذا تكررت الأنماط التاريخية، فإن التوقعات للعام التالي لانتخابات التجديد النصفي تبدو إيجابية.

تراجع الضبابية السياسية يدعم المستثمرين

يرتبط هذا الأداء جزئيا بما يحدث عادة قبل الانتخابات. فقد بلغ متوسط ارتفاع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" خلال أعوام انتخابات التجديد النصفي منذ 1949 نحو 8.4% فقط، وفقا لكيث ليرنر، كبير مسؤولي الاستثمار في «تروست ويلث أدفايزوري».

وتتزايد حالة عدم اليقين قبل التصويت، مع تصاعد المخاوف بشأن التحولات في موازين القوى السياسية وانعكاساتها على السياسات الاقتصادية، ما قد يضغط على عوائد الأسهم.

لكن بعد انتهاء الانتخابات، تتراجع هذه الضبابية نظريا، فيما يؤدي انقسام الحكومة أو الجمود السياسي إلى تقليص احتمالات تمرير تغييرات تشريعية جذرية، وهو ما يميل المستثمرون إلى الترحيب به.

ويشير ليرنر إلى عامل آخر لافت؛ إذ لم يشهد الاقتصاد الأمريكي ركودا خلال السنة الثالثة من أي ولاية رئاسية منذ عام 1950، وهي السنة التقويمية التي تلي انتخابات التجديد النصفي.

طفرة الذكاء الاصطناعي تكشف تصدعات القاعدة التاريخية

رغم ذلك، لا تتشابه الفترات الاقتصادية، وهناك اختلافات جوهرية بين البيئة الحالية والظروف التي أحاطت بانتخابات التجديد النصفي السابقة.

أول هذه الاختلافات أن الأسهم الأمريكية حققت أداء قويا خلال عام الانتخابات الحالي، إذ لا يزال مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أقل بنحو 5% فقط من أعلى مستوياته التاريخية، حتى بعد موجة البيع الحادة الخميس. وقد يحد هذا الارتفاع المسبق من قدرة السوق على تحقيق مكاسب إضافية كبيرة.

في المقابل، لا تزال هناك مساحة واسعة لتصحيحات سعرية جديدة. فقبل تراجع الخميس، لم يتجاوز أكبر انخفاض سجله المؤشر خلال العام 9%، أي نحو نصف متوسط التراجع الأقصى المعتاد في أعوام انتخابات التجديد النصفي، الذي يتراوح بين 18 و19%، وفقا لـ«جيه بي مورجان». وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التركّز غير المسبوق في سوق الأسهم الأمريكية.

سواء تعلق الأمر بمجموعة «العظماء السبعة» من شركات التكنولوجيا الكبرى، أو شركات «هايبرسكيلرز» التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي، أو الشركات المرتبطة بصورة غير مباشرة بالتوسع في هذه الصناعة، فإن الأرباح والعوائد والقيمة السوقية والاستثمارات أصبحت تعتمد بدرجة أكبر من أي وقت مضى على عدد محدود من الشركات. وكما أظهرت الأسابيع الأخيرة، فإن إخفاق عدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى في تلبية التوقعات المرتفعة المضمنة في أسعار أسهمها قد يؤدي إلى تراجعات حادة في المؤشرات الرئيسية.

ويقف وراء هذا التركّز أكبر طفرة استثمارية في التاريخ الحديث؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أن الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي قد تتجاوز 10 تريليونات دولار خلال الفترة بين عامي 2025 و2032.وقد أسهمت هذه الاستثمارات الضخمة في رفع أسعار الأسهم والثروات الأسرية إلى مستويات قياسية، لكنها أثارت في الوقت ذاته مخاوف متزايدة من تشكل فقاعة استثمارية واسعة. وتبدو المقارنات مع طفرة الإنترنت وانهيار شركات التكنولوجيا في مطلع الألفية أمرا يصعب تجاهله.

فقد غير الإنترنت العالم، وأسهم في ظهور شركات تكنولوجية تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، لكن تلك الرحلة شهدت أيضا إنفاقا مفرطا ومبالغة في التوقعات وحالة من «النشوة غير العقلانية»، انتهت بانهيار سوقي كبير قبل نحو ربع قرن. وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحا: هل يمثل الإنفاق المتسارع على الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من تراكم للديون لتمويله، سوء تخصيص لرأس المال على نطاق أكبر مما شهدته الأسواق سابقا؟

الفيدرالي يهدد بتعقيد المشهد الاستثماري

العامل الثالث يتمثل في مسار أسعار الفائدة.

فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، فيما تتوقع الأسواق زيادة أخرى بمقدار 50 نقطة أساس خلال العام المقبل، بما يرفع إجمالي التشديد النقدي إلى 75 نقطة أساس. لكن هذه التوقعات تبدو متواضعة مقارنة بالدورات التاريخية؛ إذ بلغ متوسط دورة التشديد النقدي منذ عام 1954 نحو 400 نقطة أساس، واستمرت في المتوسط 23 شهرا، وفقا لبنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو. بمعنى آخر، تتمركز الأسواق حاليا حول توقعات لأقل دورة تشديد نقدي في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي.

وقد يؤدي تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى الضغط على النمو الاقتصادي، في حين قد يجد الفيدرالي نفسه أمام خطر الركود التضخمي إذا استمرت الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا في إبقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.وفي جميع الأحوال، لا تبدو «وول ستريت» مستعدة لاحتمال اتباع الفيدرالي سياسة نقدية أكثر تشددا.

خطر الانتكاسة يهدد مكاسب 2027

إذا استمر النمط التاريخي المعتاد، وتجنب الاقتصاد الأمريكي الركود خلال عام 2027، فقد يكون المستثمرون أمام عام استثنائي من المكاسب. لكن هذا الاحتمال لا يخلو من المخاطر. فالركود ليس السيناريو الأساسي لدى كثير من المحللين للعام المقبل، غير أن الاضطرابات الحالية في أسهم التكنولوجيا قد تتحول إلى صدمة اقتصادية أعمق. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في دعم «وول ستريت» والوضع المالي للولايات المتحدة، فإن أي تباطؤ حاد أو انعكاس مفاجئ في مسار هذه الاستثمارات قد يعيد مخاوف الركود إلى واجهة المشهد.

ومن المفارقات التاريخية أن الاستثناءين الوحيدين من نمط التفوق المعتاد للأسهم بعد انتخابات التجديد النصفي خلال ما يقارب قرنا من الزمن كانا عامي 1930 و1938. وقد جاءت الأشهر الـ12 التالية لهذين العامين في ظل الكساد الكبير، وتصاعد التوترات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.

فهل ستكون هذه المرة مختلفة؟

 كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية