إذا أزحنا غطاء "الذكاء الاصطناعي" جانباً، فقد نجد بقية الاقتصاد ترتجف تحته. وحتى لو لم يكن الواقع بهذا القدر من القسوة، تشير أحدث الأبحاث إلى أن الزخم الذي يضفيه الذكاء الاصطناعي على الحسابات الوطنية يقابله ركود في قطاعات أخرى.
لا شك في أن الطفرة المحمومة في استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتمويله، وبناء بنيته التحتية، قد أسهمت بشكل ملموس في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وتشير معظم التقديرات إلى أن نحو ثلث النمو الاقتصادي المحقق خلال العامين الماضيين يعود إلى التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، كما أن ما يقرب من ربع إجمالي واردات الولايات المتحدة في العام الماضي كانت سلعاً مرتبطة بهذا القطاع.
وعلاوة على ذلك، واعتماداً على كيفية تعريفنا للمصطلح، باتت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشكل الآن نحو نصف القيمة السوقية لمؤشر "إس أند بي 500" (S&P 500). لكن جوليان دي جيوفاني، الخبير الاقتصادي في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، سلط الضوء هذا الأسبوع على حقيقة أن الارتفاع الكبير في الواردات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على مدى العامين الماضيين لم يؤدِ -خلافاً لما كان متوقعاً- إلى توسع ملموس في العجز التجاري أو عجز الحساب الجاري.
وفي معرض تفسيره لذلك، أوضح دي جيوفاني أن الحساب الجاري يمثل توازناً بين الادخار والاستثمار؛ مشيراً إلى أن حدوث طفرة في الإنفاق الاستثماري أو قفزة في واردات المعدات التكنولوجية لا يعني بالضرورة اختلال التوازن الكلي، طالما أن المدخرات المحلية كافية لتمويل هذه الاستثمارات الإضافية. ومن الناحية الاقتصادية، يُعرَّف رصيد الحساب الجاري بأنه إجمالي مدخرات الدولة مطروحاً منه إجمالي استثماراتها المحلية.
وبتحليل مسار الادخار والاستثمار على مدى السنوات الست الماضية -منذ تفشي جائحة كوفيد-19- يتبين أن فجوة الحساب الجاري اتسعت بالفعل حتى أوائل العام الماضي، لكنها عادت لتتقلص لاحقاً، تزامناً مع موجة من التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة دونالد ترمب المقبلة.
ومع ذلك، يشير دي جيوفاني -في مدونة "ليبرتي ستريت إيكونوميكس" (Liberty Street Economics)- إلى أن الجزء الأكبر من اتساع العجز في السنوات الأخيرة كان ناجماً عن تراجع في معدلات الادخار، وليس عن زيادة في الإنفاق الاستثماري الإجمالي.
في الواقع، ظل إجمالي الاستثمار -كحصة من الناتج المحلي الإجمالي- ثابتاً تقريباً على مدى 8 سنوات عند مستوى يقل قليلاً عن 22%، ولم يطرأ عليه أي تغيير يُذكر منذ أن بدأ طفرة الإنفاق الرأسمالي في مجال الذكاء الاصطناعي تتسارع وتيرتها بشكل جدي بعد 2023.
فقد بلغ متوسط الاستثمار المحلي الإجمالي 21.3% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الـ5 التي سبقت الجائحة، و21.5% في السنوات الـ3 التي تلت إطلاق "تشات جي بي تي" (ChatGPT) -وهو الحدث الذي أشعل فتيل هذا الزخم. هل هي طفرة استثمارية وهمية؟ تتمثل النقطة الجوهرية التي يطرحها "دي جيوفاني" في أنه على الرغم من ارتفاع الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والمعدات والبرمجيات، فإن هذا الارتفاع قابله تراجع في مجالات أخرى؛ بما في ذلك تباطؤ بناء المصانع منذ 2022، وانخفاض الاستثمار في القطاع السكني، وتراجع الإنفاق على المنشآت والمعدات خارج نطاق مراكز البيانات والتجهيزات التكنولوجية.
وقد شهدت مدخرات الأسر انخفاضاً طفيفاً في السنوات الأخيرة -يعود جزء منه إلى "أثر الثروة" الناتج عن ارتفاع قيم الأسهم- لكن هذا الانخفاض كان أقل بكثير مما حدث خلال طفرة شركات الإنترنت (دوت كوم) في أواخر التسعينيات.
أما مدخرات قطاع الأعمال فلم تشهد سوى تراجع طفيف للغاية -على عكس ما حدث في حقبة "دوت كوم"- وهو ما يُعزى على الأرجح إلى قيام شركات التكنولوجيا الكبرى (التي تنفذ الجزء الأكبر من الإنفاق الرأسمالي) باستخدام جزء من أرصدتها النقدية الضخمة.
وفي المقابل، اتخذ "الإنفاق الحكومي التجاوزي" (أو ما يُعرف بـ "الادخار السلبي" للحكومة، أي اتساع عجز الميزانية العامة) مساراً معاكساً خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما يمثل تبايناً صارخاً آخر مقارنة بطفرة أواخر التسعينيات.
ويُعزى 1.75 نقطة مئوية من أصل 2.4 نقطة مئوية -وهي مقدار الزيادة في عجز الحساب الجاري منذ الجائحة- إلى هذا "الادخار السلبي" الحكومي، بينما ساهم انخفاض المدخرات الخاصة بنحو نصف نقطة مئوية، في حين لم يكن لاستثمار قطاع الأعمال أي تأثير يُذكر.
ويخلص "دي جيوفاني" إلى أن "التغيرات في السياسة المالية كانت المحرك الرئيسي لديناميكيات الحساب الجاري، في حين كان دور المدخرات الخاصة محدوداً، ولم يظهر أي أثر ملموس عبر قناة الاستثمار".
ومع ذلك، يشير إلى احتمال تغير هذا المشهد إذا ما شهدنا توسعاً في الإنفاق الممول عبر الديون أو الأسهم في المرحلة المقبلة. وبعيداً عن ديناميكيات ميزان المدفوعات، يظل السؤال الجوهري: ما حجم الضعف النسبي الذي تخفيه طفرة الذكاء الاصطناعي؟ وإلى أي مدى قد يكون الاقتصاد والأسواق يعانيان حالياً من تراجع دوري كان سيظهر بوضوح أكبر لولا وجود هذه الطفرة؟ في ظل الرهانات الكبيرة المعقودة على ما سيقدمه الذكاء الاصطناعي، يبرز ميلٌ للتعامل معه بوصفه "أكبر من أن يفشل".
لكن إذا ما شهد طفرة الذكاء الاصطناعي تباطؤاً مفاجئاً، أو وقع حادثٌ ما، أو حدثت هزةٌ في التمويل، أو شهدت الأسواق موجة بيعٍ واسعة النطاق للأسهم، فإن الاقتصاد سيتجه نحو التدهور أيضاً؛ وليس من الصعب إدراك السبب وراء ذلك.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
