الخميس, 1 أكتوبر 2026|18 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


مايك دولان

-إذا كنت تعتقد أن كل الإنفاق الاستثماري الجديد الذي يتدفق إلى الاقتصاد العالمي حالياً يستهدف فقط شركات التكنولوجيا الكبرى والذكاء الاصطناعي، فأنت محق جزئياً فقط. فوفقاً لبعض التقديرات، قد توازي الزيادة المخطط لها في الإنفاق الدفاعي لدول مجموعة السبع (G7) على مدى العقد المقبل ذلك الاستثمار، حتى وإن كان هناك تداخل هائل بين المجالين حالياً.

وثمة مؤشر آخر على التحفيز المتزامن للنشاط الاقتصادي العالمي ومعدلات التضخم - إلى جانب الضغوط على الخزائن العامة وارتفاع تكاليف الاقتراض - يتمثل في الحجم الهائل للإنفاق الدفاعي المخطط له خلال العقد القادم.

وقد قدّر الأدميرال المتقاعد في البحرية الأمريكية جيمس ستافريديس - الذي يشغل حالياً منصب المدير الإداري والشريك في مجموعة "كارلايل" (The Carlyle Group) - هذا الأسبوع أن الالتزامات الدفاعية الإضافية من حكومات مجموعة السبع على مدى السنوات العشر المقبلة تبلغ نحو 8 تريليونات دولار من الإنفاق الإضافي على إعادة التسلح، وذلك علاوة على الاتجاهات السابقة للإنفاق.

ومع بلوغ إجمالي الناتج المحلي السنوي المجمع للولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا ما يزيد قليلاً على 55 تريليون دولار حالياً، فإن زيادة قدرها 8 تريليونات دولار على مدى عقد من الزمان تعادل نحو من 15% من الناتج المحلي المحلي المتوقع لعام 2026.

ويشير ستافريديس إلى أن الإنفاق الدفاعي لدول مجموعة السبع قد ارتفع ليصل إلى 2.0% من الناتج المحلي الإجمالي - وهي أعلى نسبة له منذ أكثر من 30 عاماً - مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى 3.8% بحلول 2030. وفي أوروبا وحدها، ذكر أن الأهداف الدفاعية الأوسع نطاقاً تستلزم إنفاقاً إضافياً يراوح بين 4 تريليونات و5 تريليونات يورو (4.5 - 5.7 تريليون دولار) خلال العقد المقبل، وهو رقم قد يرتفع ليصل إلى 9 تريليونات يورو "عند إدراج تكاليف البنية التحتية المرتبطة بذلك".

كما أن الزيادة المخصصة في النفقات الدفاعية الأمريكية للسنة المالية 2027، لتصل إلى مستوى قياسي يبلغ 1.5 تريليون دولار، ستتجاوز ذروة الإنفاق المسجلة خلال الحرب العالمية الثانية عند احتساب القيمة المعدلة وفقاً للتضخم.

وفقاً لتقديرات "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" التي يستشهد بها ستافريديس، فإن مستوى الإنفاق الدفاعي بحلول ذلك الوقت سيصل إلى نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي؛ وهي نسبة تقل قليلاً عن ذروة الإنفاق المسجلة في 2009 وتقترب من المستويات التي شوهدت آخر مرة في أوج الحرب الباردة خلال ثمانينيات القرن الماضي.

قد تؤدي هذه الزيادة في الميزانية إلى رفع فاتورة الدفاع الأمريكية لتتجاوز التقديرات الحالية لتكاليف خدمة الدين السنوية لوزارة الخزانة، وإن كان الارتفاع المتسارع في عوائد السندات قد يُشعل سباقاً طويل الأمد بين الجانبين للاستحواذ على حصة أكبر من أموال الضرائب الأمريكية.

مخطط "فين" (Venn Diagram) للعلاقة بين الذكاء الاصطناعي والدفاع

بعيداً عن الأرقام الإجمالية اللافتة للنظر، تكمن النقطة الجوهرية التي يطرحها ستافريديس في أن طبيعة هذا الإنفاق ستختلف اختلافاً جذرياً عن الماضي فيما يتعلق بعمليات الشراء؛ إذ سيقل التركيز كثيراً على السفن الحربية والدبابات، مقابل زيادة التركيز على التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأمن السيبراني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك.

وقد كتب ستافريديس قائلاً: "ينتقل مركز الثقل نحو شركات أصغر حجماً وأكثر مرونة وسرعة في مجالات الأمن السيبراني والتشفير والأسلحة فرط الصوتية، بدلاً من الاعتماد على المقاولين الرئيسيين التقليديين؛ ونتيجة لذلك، أصبحت الصفقات المبرمة أصغر حجماً وأكثر عدداً".

ومن ثم، فإن مساحة التداخل في مخطط "فين" بين الذكاء الاصطناعي والاستثمارات التكنولوجية الأوسع نطاقاً من جهة، والإنفاق الدفاعي من جهة أخرى، تُعد كبيرة للغاية؛ وتُشكل مراكز البيانات وأمنها عاملاً مشتركاً آخر بين الجانبين.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح خاص في أوروبا، حيث تتضافر عوامل عدة - تشمل التهديد الروسي للحدود الشرقية لأوروبا، والشكوك حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عهد دونالد ترمب، وتصاعد الإنفاق الدفاعي في أنحاء القارة - بطرق يأمل بعضهم أن تؤدي أيضاً إلى تعزيز قطاع التكنولوجيا الأوروبي.

وأشار ستافريديس إلى أن "عقدين من تراجع الاستثمارات الدفاعية الأوروبية تزامنا بشكل وثيق مع عقدين من تراجع القدرة التنافسية التكنولوجية لأوروبا؛ وهو نمط يبدو أن دورة إعادة التسلح الحالية عازمة على عكس مساره". غير أن كل هذه التطورات لن تشكل عزاءً يُذكر لأسواق السندات الحكومية المضطربة التي يتعين عليها استيعاب عمليات الاقتراض الإضافية المصاحبة لهذه الزيادات.

لطالما استُخدمت النسبة بين الإنفاق الدفاعي وتكاليف خدمة الدين تاريخياً كمؤشر تحذيري يعكس المخاوف المتعلقة باستدامة الدين العام. قدّر "معهد التمويل الدولي" -ومقره واشنطن- أخيرا أن متوسط ​​تكاليف الاقتراض الحكومي في دول مجموعة السبع (G7) قد بلغ الآن أعلى مستوياته منذ منتصف 2008، في حين ارتفعت نفقات الفائدة السنوية بنسبة تقارب 85%.

وعلى مدى العام الماضي، سددت الاقتصادات المتقدمة ما يزيد على 3.3 تريليون دولار كفوائد على السندات الحكومية المتداولة دولياً وحدها؛ وهو مبلغ يفوق الإنفاق العالمي المقدر بـ 2.6 تريليون دولار على الذكاء الاصطناعي، و3.1 تريليون دولار على الدفاع، و2.3 تريليون دولار على الطاقة النظيفة.

قد يسهم الحجم الهائل للتحفيز الاقتصادي الناجم عن الإنفاق المكثف في مجالي الدفاع والذكاء الاصطناعي -على الأقل- في كبح جماح نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، لا شك يذكر في أن الاقتصادات الكبرى في العالم تدخل الآن مرحلة تتطلب موازنة دقيقة وعالية المخاطر؛ وهي عملية قد تحقق أهدافها ولكنها تنطوي أيضاً على مخاطر زيادة عدم الاستقرار في خضم ذلك. ولا أحد يدرك تماماً كيف ستؤول الأمور في النهاية.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

منتدى الاقتصادية 2026