ماريوس فان أوردت وكريستوف روزنبرغر
تُمثل منتجات النيكوتين تحديا ذا طبيعة خاصة. فمع تطبيق حظر التدخين وتغيّر تفضيلات المدخنين، تُلبّي بدائل السجائر التقليدية - من السجائر الإلكترونية إلى منتجات التبغ المُسخّن وأكياس النيكوتين - احتياجات أولئك الذين لا يستطيعون الإقلاع عن التدخين. والخبر السار هو أن كثيرا من هذه المنتجات الجديدة، رغم أنها لا تزال ضارة، تقلل من التعرض للمواد السامة ولذلك، من المنطقي فرض ضرائب عليها بمعدل أقل، يمكن تعديله مع توافر البحوث وتطور الاحتياجات للإيرادات.
وتشكل نيوزيلندا مثالا جيدا على كيفية مساهمة الضرائب في تشجيع الناس على الإقلاع عن التدخين. فعلى مدى السنوات الـ15 الماضية، رفعت الحكومات المتعاقبة أسعار الضرائب الانتقائية على منتجات التبغ القابلة للاحتراق بنسبة 10% أو أكثر سنويا، في إستراتيجية مدروسة لزيادة الفارق الضريبي مقارنة بالبدائل الأقل ضررا. وبشكل عام، انخفضت نسبة مدخني السجائر من 18% 2012 إلى 8% 2024؛ بينما زاد استخدام السجائر الإلكترونية الأقل ضررا من نسبة تقترب من الصفر إلى 14% خلال الفترة ذاتها. ويصعب إثبات علاقة السببية، لكن يبدو من المؤكد أن ارتفاع فروق الأسعار قد أسهم جزئيا في هذا التحول. فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية حتى 2020، لكنها انخفضت قليلا منذ ذلك الحين.
ويشجع الاتحاد الأوروبي أعضاءه على اتباع إستراتيجية مماثلة. ويُفرّق معظمهم بالفعل بين منتجات التبغ القابلة للاحتراق وغير القابلة للاحتراق في أنظمة الضرائب الانتقائية الخاصة بهم. وتقترح المسودة التي نُشرت أخيرا الصادرة عن المفوضية الأوروبية بشأن التوجيه المعني بالضرائب الانتقائية على التبغ حدا أدنى للضرائب المفروضة على 13 فئة من المنتجات؛ حيث يفرض ضرائب على السجائر والتبغ السائب بمستويات مماثلة؛ ويحدد معدلات أقل بكثير للسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ المُسَخَّن وأكياس النيكوتين. ولا يوجد منتج من منتجات التبغ أو النيكوتين معفى من الضرائب، ويتم تحديد الأسعار لمواكبة التضخم أو تجاوزه.
عندما يختل التسعير
في كثير من البلدان منخفضة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة، تُشكل أسعار الضرائب حوافز معاكسة. فعلى وجه الخصوص، تخضع منتجات التدخين والمشروبات الضارة، التي غالبا ما تُنتج محليا، لضرائب انتقائية منخفضة. تفرض الهند ضرائب على سجائر "بيدي" اليدوية، وهي سجائر محلية الصنع من التبغ غير المعالج، أقل بكثير من ضرائب السجائر بمرشح، بينما تُحظر البدائل الخالية من الدخان.
إن عدم الاتساق في الأسعار يوحي على عكس الحقيقة بانخفاض المخاطر الصحية ويدعم استهلاك المنتجات التي غالبا ما تكون أشد خطورة، ويحول الاستثمار نحو الصناعات المعاكسة. ورغم أن هذا التسعير غالبا ما يكون مبررا استنادا إلى أسس تتعلق بالتوزيع، فإنه يأتي بنتائج عكسية عندما يتعلق الأمر بحماية الفئات ذات الدخل المنخفض، التي غالبا ما تستهلك المنتجات التقليدية أكثر من غيرها.
وإذا نظرنا إلى بلدان مجموعة العشرين وأنواع المنتجات المختلفة، نجد أن ضرائب السلع الضارة مختلطة. فالضرائب المفروضة على التبغ شاملة للغاية، وأقل شمولا بالنسبة للمشروبات وغير متسقة بالنسبة للمشروبات السكرية. وفي بعض الأحيان، يحل الحظر محل الضرائب، كما هو الحال مع منتجات التبغ الجديدة في الأرجنتين وتركيا. ومع ذلك، فقد تحقق تقدم كبير في هذا الشأن في السنوات القليلة الماضية؛ ففي السابق، نادرا ما كان صناع السياسات يأخذون الاعتبارات الصحية في الحسبان عند تحديد أسعار الضرائب. ولكن هناك مجالا كبيرا لتحسين مواءمة أسعار الضرائب مع أضرار المواد المستهدفة.
التعاون عبر الحدود
لتحقيق أقصى استفادة من ضرائب السلع الضارة، يجب على البلدان التعاون فيما بينها لمراعاة ديناميكيات السوق الإقليمية. ويمكن أن تؤدي الفروق الضريبية الكبيرة عبر الحدود إلى تحفيز المستهلكين على البحث عن خيارات أرخص بالقرب منها، ما يحد من التأثير الصحي ومن الإيرادات. فعلى سبيل المثال، عندما خفّضت فنلندا ضريبة الكحول بشكل كبير 2004، ارتفعت مبيعات المشروبات التقليدية بنسبة 150% في بعض المدن الحدودية مع السويد.
وقد استخدمت دراسة حديثة في النرويج، وهي بلد آخر يفرض ضرائب باهظة، بيانات إغلاق الحدود خلال فترة جائحة كوفيد وبيانات المتاجر لتحديد التداعيات المماثلة الكبيرة للتسوق عبر الحدود. وتشير التقديرات إلى أن المشتريات عبر الحدود على مستوى الاتحاد الأوروبي تبلغ 1,4 مليار لتر سنويا، ما تنتج عنه خسائر في الضرائب الانتقائية تبلغ نحو 4 مليارات يورو سنويا.
ولا تقتصر المشكلة على أوروبا ذات الكثافة السكانية العالية التي لا تفصل بين بلدانها حدود. فعلى سبيل المثال، حوّلت الضرائب المنخفضة للغاية على التبغ في الباراغواي البلاد إلى مركز لتهريب السجائر إلى جيرانها ذوي الضرائب الأعلى؛ فهذه المنتجات الرخيصة تُشكّل الآن نحو 20% من سوق السجائر في البرازيل، وتُكبّدها خسائر في إيراداتها تُقدّر بنحو 400 مليون دولار أمريكي سنويا.
فحيثما يكون التسوق عبر الحدود غير مشروع، فإن تشديد إنفاذ الإجراءات قد يُسهم بلا شك في حل المشكلة. ولكن في نهاية المطاف، لن يحول دون تآكل أنظمة الضرائب على السلع الضارة سوى إقامة حوار أوثق بين البلدان وتوافق أقوى على تصنيف خطوط المنتجات الجديدة والمتطورة باستمرار.
آفاق المستقبل
الضرائب ليست مجرد أداة مالية، بل هي وسيلة فعّالة لبناء مجتمعات أكثر صحة. وربط الضرائب الانتقائية بالمخاطر الصحية النسبية قد يحد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، مع دعم استدامة الإيرادات، ولا سيما عند تطبيقها بشكل شامل ومتسق. وفي المقابل، تؤدي الثغرات، وعدم اتساق الحوافز، وتجزؤ المناهج إلى خسائر في الإيرادات واستمرار التعرض لأضرار يمكن تجنبها. ولذلك، يجب أن تتغير الأنظمة الضريبية مع تطور أنماط الاستهلاك وعروض المنتجات.
ولا يمكن لهذا التحول أن يحدث بمعزل عن غيره، بل يتطلب مبادئ مشتركة على المستوى الدولي بشأن كيفية الحد من المراجحة عبر الحدود والتجارة غير المشروعة. وتقوم المؤسسات العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، والهيئات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي على وجه الخصوص، بدور محوري في تطوير الأطر التي تربط الضرائب بالضرر وتشجع الابتكار نحو منتجات أكثر أمانا. ومن شأن هذه التطورات أن تعزز الصحة العامة وقدرة المالية العامة على الصمود على حد سواء.
خبير في السياسة الضريبية وأستاذ مشارك سابق في المعهد الإفريقي للضرائب ـ جامعة بريتوريا.
اقتصادي ونائب مدير لإدارة التواصل في صندوق النقد الدولي سابقا
