الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

قد يبدأ الخلل التنظيمي من صياغة تعميم. فحين تُعرض المصطلحات النظامية وكأنها مترادفة، تبدو الالتزامات أوسع مما رسمته اللائحة. ومن أوضح الأمثلة التعميم رقم (‎300/1448) الذي أعلنته وزارة السياحة في 17 يونيو 2026، والمتضمن إلزام مقدمي خدمات السفر والسياحة بتسجيل "البرامج والرحلات السياحية" لدى الوزارة قبل تنفيذها.

وتتضح المسألة بالتمييز بين البرنامج السياحي والرحلة السياحية. فقد عرّفت لائحة خدمات السفر والسياحة "البرنامج السياحي" بأنه مجموعة من الخدمات السياحية تُعد أو تُنفذ خلال رحلة أو عدة رحلات، بمقابل أجر، خلال فترة زمنية معينة، ويكون معتمدًا من الوزارة؛ وهو منتج سياحي حدوده داخل السعودية. والمقصود بالرحلة في هذا السياق رحلة تُنشأ ضمن البرنامج المعتمد لتنفيذه.

أما "الرحلة السياحية"، فلم تمنحها اللائحة تعريفًا مستقلًا، ولم تجعلها على إطلاقها محل اعتماد أو تسجيل. ولا يصح حمل هذا اللفظ، لمجرد وروده في تعليمات تسجيل واعتماد "البرنامج السياحي"، على أنه مرادف له أو خاضع لحكمه. فمفهومه أوسع من البرنامج السياحي، وقد تُعد الرحلة وفق طلب العميل داخل السعودية أو خارجها؛ فالانتقال بالطائرة إلى وجهة خارج المملكة رحلة، لكنها ليست برنامجًا سياحيًا يستلزم الاعتماد أو التسجيل.

ويؤكد هذا التمييز المسار الإلكتروني الذي وفرته الوزارة لاعتماد البرامج السياحية؛ فعلى الرغم من أن عنوان التعميم يتحدث عن "البرامج والرحلات السياحية" معًا، خُصصت الخدمة الإلكترونية لاعتماد البرنامج، وتُنشأ الرحلة فيه بإدخال قائمة السياح والبيانات ذات العلاقة، بما يؤكد أن الرحلة هنا ناتجة عن البرنامج وليست منتجًا مستقلًا عنه.

ويزداد الإشكال لأن "ترخيص خدمات السفر والسياحة" يضم أربع فئات، لكل فئة نطاق خدمات محدد؛ فمنها ما يختص بإعداد البرامج السياحية واعتمادها وتسويقها وتنفيذها لمن هم في المملكة، وأخرى تمتد للراغبين في القدوم إلى السعودية، وثالثة تقتصر على تسويق البرامج المعتمدة، بينما لا يشمل نشاط الفئة الأخيرة البرنامج أصلًا. ومع ذلك، خاطب التعميم جميع الفئات بخطاب واحد، دون أن يميز بين نطاق خدمات كل فئة.

وليس الأثر محدودًا؛ فهذا التعميم يخاطب قطاعًا يضم بحسب البيانات الرسمية ما لا يقل عن 2,853 ترخيصًا بنهاية 2024، بنسبة نمو 32% خلال عام واحد؛ ما يجعل أي التباس في الصياغة قابلًا لأن يتحول إلى كلفة امتثال على قطاع كامل.

ولم تقف التداعيات عند ذلك، بل امتدت إلى تسخير موارد الوزارة وجهودها لتنفيذ زيارات ميدانية للمكاتب السياحية بمسمى "زيارة توعوية"؛ وبحسب تقارير هذه الزيارات، أُديرت بنموذج الزيارة التفتيشية المعتاد، وجمعت في الوقت ذاته بين إبلاغ المستثمرين والعاملين بمضمونه ورصد المخالفات. وهنا يبرز التساؤل: كيف تكون الزيارة توعوية وهي تُدار بنموذج معدّ أصلًا للتفتيش؟

وكانت النتيجة أن انتهت بعض الزيارات إلى توجيه المستثمرين بضرورة وجود عقود سارية مع الفئة التي تنظم البرامج السياحية لمن هم في المملكة لتسويقها، في حين لم يصدر التوجيه ذاته للفئة التي يمتد نشاطها إلى البرامج الموجهة للراغبين في القدوم إلى السعودية، رغم أن الفئتين تمارسان إعداد البرامج واعتمادها وتنفيذها وتسويقها ضمن نطاق خدمات كل منهما.

وهنا لا يعود الإشكال لبسًا في الصياغة، بل يطال ممارسة النشاط، بما قد يدفع المستثمرين إلى تعديل فئة الترخيص وما يترتب على ذلك من كلفة، اتقاءً لالتزام أوجدته الصياغة الملتبسة وعززه التطبيق الميداني.كان الأجدر أن تُصاغ التعليمات في تعاميم تراعي نطاق خدمات كل فئة؛ لأن التعاميم أدوات تطبيقية وليست نصوصًا مستقلة عن التنظيم.

فالخلل لا يكمن في إدراج "تسجيل الرحلة" ضمن مسار تسجيل البرنامج، بل في رفعها إلى عنوان التعميم التزامًا مستقلًا، ثم توجيه الخطاب ذاته إلى جميع الفئات؛ إذ إن التوسع في مدلول المصطلح أو نطاق الخطاب قد ينشئ التزامًا لم تفرضه اللوائح.

والمراجعة القانونية ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من دورة إعداد النصوص التنظيمية، ووسيلة للتحقق من دقة المصطلحات ونطاق الالتزامات قبل انتقالها إلى التطبيق؛ فسلامة الصياغة لا تحمي النص من الالتباس فحسب، بل تُجنب المستثمر كلفة متطلبات لا يفرضها التنظيم، وتحول دون استهلاك الوزارة موارد إدارية ومالية كان يمكن تجنبها بالمراجعة.

ولهذا، فإن مراجعة التعميم رقم (‎300/1448)، ونماذج الزيارات والحملة التوعوية التي رافقته، باتت ضرورة لضبط التطبيق وإعادة الالتزام إلى حدود اللائحة، ولتحويل هذه التجربة إلى معيار يُستفاد منه عند صياغة التعاميم اللاحقة وتطبيقها.

كاتبة متخصصة في قطاع السفر والسياحة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية
صياغة التعميم .. وحدود اللائحة | صحيفة الاقتصادية