نوف البلوي
لا يُقاس نجاح الدول في المحافل الأولمبية بقدرتها على حشد اللاعبين فحسب، بل بكفاءة “نظام الإنتاج” الذي يصمم الأفرقة الوطنية. إن الفوارق بين المنتخبات العالمية ليست فوارق في المواهب الفطرية بقدر ما هي فوارق في كيفية إدارة هذه المواهب ضمن منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، تحول الرياضة من نشاط تنافسي إلى نموذج لإدارة رأس المال البشري.
نقطة التحول نحو العالمية لا تبدأ من النجاح، بل من القراءة الصحيحة للفشل. الدول التي حققت قفزات نوعية، مثل بريطانيا وأستراليا، لم تفسر أداءها الضعيف في دورات مثل مونتريال 1976 أو أتلانتا 1996 على أنه قصور في اللاعبين، بل اعتبرته خللاً في تصميم النظام نفسه. هذا التحول في التشخيص نقل السياسات من منطق “علاج اللحظة”، القائم على تمويل متقطع ومعسكرات قصيرة، إلى منطق إصلاحي يعيد بناء المنظومة من جذورها. وهنا يصبح الفشل نقطة انطلاق، لا نهاية.
في هذا السياق، يبرز التمويل كأداة إستراتيجية لا كاستجابة ظرفية. إذ يمثل التمويل العشوائي المرتبط بالمنافسات أحد أبرز الاختلالات، حيث تُستهلك الميزانيات دون خلق عائد طويل الأمد. في المقابل، تتبنى النماذج الناجحة منطق “التمويل الإستراتيجي”، حيث تُدار ميزانية المنتخب كأنها محفظة استثمارية.
في التجربة البريطانية عبر UK Sport، لم يعد التمويل منحة، بل “عقد أداء” مرتبط بمؤشرات واضحة. هذا التحول لم يرفع فقط من حجم الإنجاز، بل من كفاءة الإنفاق، حيث أصبحت كل وحدة مالية تُترجم إلى احتمال أعلى للفوز.
لكن التمويل وحده لا يكفي إذا لم يتم تأمين “الأصل البشري” نفسه. هنا يظهر مفهوم “المسار المزدوج”، الذي يعالج أحد أعمق التحديات الاجتماعية في الرياضة، وهو انعدام الأمان الوظيفي للاعب. دول مثل ألمانيا وأستراليا أدركت أن اللاعب لن يستثمر بالكامل في الأداء إذا كان مستقبله المهني غير مضمون، فصممت أنظمة تتيح له الجمع بين المسار الرياضي والتعليمي أو المهني. هذا الاستقرار لا يقلل فقط من الضغوط النفسية، بل يحول اللاعب من مشارك مؤقت إلى استثمار طويل الأمد داخل المنظومة.
وفي موازاة ذلك، تتجه الدول الأكثر كفاءة إلى التخصص بدلاً من التشتت. فمحاولة المشاركة في جميع الرياضات غالباً ما تؤدي إلى توزيع الموارد على برامج منخفضة العائد.
لذلك، تعتمد الأنظمة الناجحة على مبدأ “الميزة النسبية”، حيث يتم تركيز الاستثمار في الرياضات التي تمتلك فيها الدولة فرصاً أعلى للتفوق، سواء لأسباب جغرافية أو تاريخية أو هيكلية. هذا التركيز يرفع من كثافة الموهبة ويحول الفوز من احتمال إلى نتيجة متوقعة. ورغم أهمية كل هذه العناصر، يبقى العامل الأكثر حسماً هو الثقة. الثقة ليست مفهوماً معنوياً مجرداً، بل بنية تحتية غير ملموسة تحدد كفاءة المنظومة بالكامل.
عندما يثق اللاعب في عدالة التقييم واستمرارية الدعم، يختفي جزء كبير من القلق المرتبط بالمستقبل، ويتحول تركيزه بالكامل إلى الأداء. وفي المقابل، عندما يثق النظام في التزام اللاعب، يصبح الاستثمار فيه قراراً عقلانياً طويل الأمد. هذه العلاقة المتبادلة هي التي تحول الفريق الوطني من مجموعة أفراد إلى منظومة إنتاج متماسكة. أما في غيابها، فتعود المنظومة إلى المربع الأول: دعم متقطع، قرارات قصيرة المدى، وتسرب مستمر للمواهب.
في جوهرها، لا تقدم التجارب الأولمبية دروساً في الرياضة فقط، بل في كيفية إدارة القطاعات الحيوية. الدول التي تعتمد على مبادرات آنية تظل عالقة في دورات من الأداء المتذبذب، بينما تلك التي تعيد تصميم الحوافز وتبني مؤسسات فعالة وتخلق بيئة موثوقة لرأس المال البشري تحقق تحولاً مستداماً.
في النهاية، لا تُبنى الأفرقة الوطنية عبر جمع اللاعبين، بل عبر بناء نظام يجعل من كل لاعب استثماراً محسوباً داخل منظومة واضحة، حيث يصبح التفوق نتيجة طبيعية، لا استثناءً عابراً.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
