جوليانا ليو
رياح معاكسة ومطبات تواجه شركة صينية لصناعة الطائرات إلا أنها تمضي قدماً بفعل الطلب الإقليمي
الحرب التجارية من شأنها إضافة معوقات أمام شركة "كوماك" التي تملكها الحكومة الصينية
الخلاصة
شركة "كوماك" الصينية لصناعة الطائرات تركز على تطوير طائرات الركاب المحلية، مع تصدير طائرة (C909) إلى جنوب شرق آسيا. تواجه تحديات مثل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة ونقص شهادات الاعتماد الأوروبية والأمريكية. رغم ذلك، من المتوقع أن تصل حصتها في السوق الصينية إلى 65% بحلول 2030، مع استمرار نمو تسليماتها.
تصنيع طائرات الركاب مهمة بالغة الصعوبة، ومن أسباب ذلك متطلبات السلامة والأنظمة المعقدة، فضلا عن التكاليف الباهظة. رغم أن وتيرة جهود الصين لبناء صناعة طيران مكتفية ذاتياً قد تبدو بطيئة، إلا أن مسارها واضح حتى فيما تعتريه تحديات كثيرة.
شركة ”كوميرشال إيركرافت كوبوريشن أوف تشاينا“ (Commercial Aircraft Corp of China) المعروفة اختصاراً باسم ”كوماك“ هي صانعة طائرات تملكها الدولة، وهي المسؤولة عن هذا المسعى.
أغلبية عملائها شركات طيران صينية، لكن ”كوماك“ بدأت في تعزيز سمعتها في الخارج من خلال تصدير طائرة (C909)، وهي طائرة نفاثة ذات ممر واحد تُستخدم بشكل رئيسي على الخطوط الإقليمية، إلى أسواق جنوب شرق آسيا.
إنها خطوة تدريجية- فبحلول 2030، ستظل شركة تصنيع الطائرات التي تتخذ مقرها في شنغهاي صغيرة مقارنة بعملاقي الصناعة ”إيرباص“ و“بوينج“. لكنها ستكون قد بدأت في ترسيخ مكانتها كمنافس قوي لاحتكار الشركتين على مرّ عقود.
لقد تجلّت هذه الإستراتيجية بوضوح في معرض سنغافورة للطيران هذا الأسبوع. عرضت ”كوماك“ إحدى طائراتها الرائدة ذات الممر الواحد من طراز (C919) بسعة 192 راكباً إضافة إلى طائرتين من طراز (C909) بسعة 97 راكباً. وقد حظيتُ بجولة تعريفية في إحدى الطائرتين الأخيرتين برفقة ليو بوديمان، نائب رئيس مجلس إدارة شركة ”ترانسنوسا أفيشن مانديري“ (TransNusa Aviation Mandiri)، وهي شركة طيران إندونيسية كانت أول عميل أجنبي لشركة ”كوماك“.
الحرب التجارية الأمريكية الصينية من أكبر العقبات
تعافى الطلب على السفر الجوي بشكل كامل من أدنى مستوى بلغ إبان الجائحة، إلا أن سلاسل التوريد التي تدعم التصنيع لم تتعافَ بعد. كما تُفاقم الحرب التجارية الوضع، إذ قطعت الصين العام الماضي إمكانية الوصول إلى العناصر الأرضية النادرة المستخدمة على نطاق واسع في الأنظمة الإلكترونية للطائرات ومحركاتها النفاثة.
تسعى شركتا ”إيرباص“ و“بوينغ“ إلى زيادة الإنتاج لتلبية هذا الطلب. وقد أعلنت شركة صناعة الطائرات الأوروبية عن تسليم 793 طائرة العام الماضي، بينما سلمت منافستها الأميركية 600 طائرة، فيما بلغت تسليمات ”كوماك” 15 طائرة فقط من طراز (C919).
توقفت ”ترانسنوسا“، التي تأسست عام 2005 لتقديم رحلات طيران عارض عبر الأرخبيل، عن العمل خلال الجائحة. وانتعشت آفاقها في أوائل عام 2020 عندما استحوذت ”تشاينا إيركرافت ليسينج جروب هولدينجز“ (China Aircraft Leasing Group Holdings) على حصة غير مباشرة قدرها 36% مقابل 28 مليون دولار، وساعدت شريكها الإستراتيجي ”كوماك ”في إبرام أول صفقة خارجية لها.
على الرغم من أن أسطول ”ترانسنوسا“ يضم طائرات ”إيرباص“ أكثر من التي تحمل علامة ”كوماك“، إلا أن سجلها الحافل على مدى 3 سنوات في تشغيل طائرة (C909) وفّر أرضية اختبار لشركة صناعة الطائرات الصينية.
طلب إقليمي مشجع فيما تنتظر الموافقات الأوروبية
في العام الماضي، بدأت شركة ”لاو إيرلاينز“ (Lao Airlines) و“فيت جيت إير“ (VietJet Air) بتشغيل هذا الطراز. أخبرني بوديمان أنه راضٍ جداً عن الطائرات الإقليمية، وأنه يرغب بشدة في طلب عشرات الطائرات من طراز (C919) الأكبر حجماً، التي يُمكن أن تحل محل بعض طائرات إيرباص (A320neo).
تحتاج ”كوماك“ إلى وقت لتعزيز سمعتها. أولاً، تفتقر ”كوماك“ ببساطة إلى القدرة التصنيعية الكافية لمنافسة ”بوينج“ و“إيرباص“. فقد كانت عمليات تسليم طائرات (C919) أقل بكثير من أهدافها العام الماضي. وتستورد أكثر من 40% من مكونات هذه الطائرات، كما أن الحرب التجارية الأمريكية العام الماضي أدت إلى انقطاع الوصول إلى المحركات المطورة غربياً لفترة.
إضافة إلى ذلك، لم تحصل أي من طائرات ”كوماك“ على شهادات اعتماد من الجهات التنظيمية الأمريكية أو الأوروبية. رغم أن هذا لا يمثل بالضرورة مشكلة لشركات الطيران العاملة داخل آسيا، إلا أن عدم حصولها على شهادات الاعتماد الغربية سيعوق انتشارها على نطاق أوسع.
نقلت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست"، أن مقيّمين أوروبيبن باشروا اختبار طائرة (C919) أثناء الطيران، وهي المرحلة الثالثة من عملية تقييم ذات 4 مراحل لدى وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي. وبيّنت الوكالة في أبريل أنها ستحتاج من 3 إلى 6 سنوات لاعتماد هذا الطراز.
يُعدّ هذا الأمر انتكاسة لشركة ”كوماك“، التي تأسست 2008 عبر عدة شركات وكيانات تملكها الدولة، ولجهود الصين الرامية إلى تطوير صناعة طائرات محلية بدأت في سبعينيات القرن الماضي. لقد منح وصول الرئيس شي جين بينج إلى الساحة كأقوى زعيم منذ ماو تسي تونج هذه المساعي زخماً وأهميةً ملحةً. لكنها لم تبدأ معه، ولن تنتهي معه.
حتى من دون شهادات غربية، لدى ”كوماك“ قاعدة عملاء كبيرة في الصين. ويُتوقع أن ترتفع حصة الشركة في سوق الطائرات الصينية الجديدة ذات الجسم الضيق إلى 65% بحلول 2030، وفقاً لدان تايلر، رئيس قسم الاستشارات في شركة ”آي بي إيه“ (IBA) المتخصصة في معلومات سوق الطيران وتقديم الاستشارات. هذا يعني نسبة أقل إثارة للإعجاب تبلغ 7% من إجمالي حجم الأسطول في هذه الفئة عند إضافة الطرازات الحالية من الشركتين المهيمنتين. لذا يصبح مفهوماً لماذا تطمح ”كوماك” إلى تحقيق طموحات أكبر.
في تاريخ النهضة الصناعية الصينية، لم تتفوق الصين إلا في مجالين: صناعة أشباه الموصلات وصناعة الطائرات النفاثة التجارية. كان التقدم في المجال الأول بطيئاً، لكن التقدم في المجال الثاني بدأ يؤتي ثماره.
عندما تأسست ”كوماك“، كان من المفترض أن تُطرح طائرة (C919) تجارياً بحلول 2016، كما نقلت في تقرير إخباري حينها. تحقق هذا الإنجاز في 2023، أي بعد 7 سنوات من التاريخ المستهدف. على الرغم من أن الأمر استغرق وقتاً أطول من المتوقع، فإنها مسألة وقت فقط قبل أن تصبح ”كوماك“ منافساً قوياً في مجال الطيران العالمي- على الرغم من أنها يجب أن تتغلب على تقلبات كبيرة على طول الطريق.
كاتبة في فريق بلومبرغ أوبينيون الآسيوي، وتغطي إستراتيجية الشركات وإدارتها في المنطقة. كبيرة محرري الأعمال في شبكة سي إن إن لمنطقة آسيا، ومراسلة لقناة بي بي سي نيوز ورويترز سابقا.
خاص بـ"بلومبرغ"
