بكر عبداللطيف الهبوب
لم تعد الأزمات الجيوسياسية في الإقليم مجرد أحداث عابرة، بل تحولت إلى محفزات لإعادة تشكيل العمق الاقتصادي الخليجي. وإذا كان الربط المادي عبر الموانئ والشبكات اللوجستية قد قطع شوطًا مهمًا في تعزيز الترابط بين دول المجلس، فإنَّ الحقيقة الأعمق هي أنَّ التكامل لا يكتمل إلا حين تتحرك القوى البشرية بكفاءة وحرية. فالبنية التحتية مهما بلغت تظل وسيلة لا غاية؛ فهي تنقل السلع، لكن سوق العمل هي التي تنقل المعرفة والقيمة والطلب، ومن هنا تبرز بوصفها العمود الخفي القادر على توحيد السياسات الداخلية، لأنَّها تمس جوهر الاستقرار النقدي والمالي والاجتماعي.
بلغت تحويلات العمالة من دول الخليج إلى الخارج نحو 131.5 مليار دولار في 2023، وهي من أعلى المستويات عالميًا، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الدخل المتولد داخل المنطقة يغادرها بدل أن يُعاد تدويره فيها. وفي المقابل، لا تزال قطاعات حيوية تعتمد على العمالة الوافدة بنسب مرتفعة، بينما تبقى مشاركة المواطنين دون المستوى المأمول قياسًا بحجم الاقتصاد الخليجي. وهنا يظهر منطق الأثر المضاعف فكل وظيفة يشغلها خليجي لا تعني مجرد راتب، بل تعني إنفاقًا محليًا يمتد إلى العقار والتجزئة والخدمات والتعليم والصحة، أي انتقال الدخل من مسار التحويل الخارجي إلى مسار الدورة الاقتصادية الداخلية.
يقدم قطاع التعليم نموذجًا كاشفًا لقطاع اقتصادي يقاس عليه قطاعات أخرى، إذ يبلغ عدد الطلاب في دول الخليج نحو 10.9 مليون طالب، تخدمهم نحو 940 ألف وظيفة تعليمية، مع توسع متسارع في التعليم الخاص. ورغم هذا الحجم، لا تزال نسبة معتبرة من هذه الوظائف يشغلها غير خليجيين ولا سيما في التخصصات النوعية.
هذه المفارقة لا تظهر نقصًا في الكفاءات بقدر ما تكشف خللًا في توزيعها إقليميًا. فإذا افترضنا أن 30–40% من الوظائف التعليمية يشغلها غير خليجيين، فإن إحلال 25% فقط منها بكفاءات خليجية يعني صنع من 70 إلى 90 ألف وظيفة عابرة للحدود. وبمتوسط إنفاق أسري نحو 150 ألف ريال سنويًا، فإن ذلك يولد ما بين 10 إلى 13 مليار ريال من التدفقات الاستهلاكية داخل الخليج سنويًا.
لكن الأثر الأهم ليس رقمياً بقدر ما هو هيكلي، فانتقال المعلمين والمهنيين بين دول المجلس سيصنع حاجة عملية لتقارب السياسات كمواءمة المناهج لضمان استمرارية التعليم، وتوحيد التقويم الدراسي لتقليل تكلفة التنقل، وتنسيق أنظمة التقييم والاختبارات، وصولًا إلى اعتماد رخص مهنية خليجية موحدة. ومع اتساع السوق، ستبدأ فجوات الأجور في التقلص تدريجيًا، ما يقود إلى تقارب مستويات المعيشة. هذا المسار لا يُفرض بقرار مركزي، بل ينشأ كاستجابة طبيعية لحركة سوق عمل موحدة.
ولا يقتصر هذا النموذج على التعليم؛ فلو طُبّق على قطاعات مثل اللوجستيات والتجزئة والسياحة، لتضاعف الأثر بوتيرة أسرع. فاللوجستيات، المرتبطة بالبنية التحتية الخليجية المتنامية، تحتاج إلى قوى بشرية تتحرك بكفاءة تدفق السلع نفسها. والتجزئة تعتمد مباشرة على القوة الشرائية التي تولدها الوظائف العابرة للحدود، بينما تمثل السياحة أحد أكثر القطاعات حساسية لحركة الأفراد. وفي هذا الإطار، يصبح التكامل في سوق العمل امتدادًا طبيعيًا لمشاريع الربط الإقليمي، لا مسارًا منفصلًا عنها.
وتعزز التجارب الدولية هذا المنطق، فالاتحاد الأوروبي لم يبدأ بالعملة الموحدة، بل بتسهيل الاعتراف بالمؤهلات وتحرير حركة العمالة، ما أدى إلى إعادة توزيع الكفاءات ورفع الإنتاجية وتقليص البطالة الهيكلية. والخليج يمتلك ميزة إضافية تتمثل في وحدة اللغة والثقافة وتقارب البنية الاجتماعية، ما يجعل تكلفة التكامل البشري أقل، وفرص نجاحه أعلى.
وبذلك يكمن التحول الحقيقي في الانتقال من "توطين وطني ضيق" إلى "توطين خليجي موسّع". فبدل أن تتنافس الدول على توطين الوظائف داخل حدودها فقط، يمكن إعادة تعريف "المواطنة الاقتصادية الخليجية" بحيث تمنح المواطن الخليجي أولوية في سوق العمل الإقليمي قبل استقدام العمالة الأجنبية. هذا التحول لا يلغي سياسات التوطين، بل يرفع كفاءتها، ويحوّلها من أداة محلية إلى رافعة تكامل اقتصادي.
ومع استقرار حركة العمالة والدخل داخل الخليج، ستنشأ ضغوط طبيعية نحو تقارب السياسات النقدية والمالية، إذ يصعب لسوق عمل واحدة أن تعمل بكفاءة في ظل فروقات حادة في التضخم أو تكلفة التمويل. كما أن توحيد المعايير المهنية سيعزز تدفقات الاستثمار البيني، لأن رأس المال يتجه حيث تتوافر الكفاءات وتقل تكلفة الامتثال التنظيمي.
لقد نجح الخليج في ربط جغرافيته، لكنه يقف اليوم أمام مرحلة أعمق بربط منظومة مصالحه عبر الإنسان. فحين تتحرك الكفاءة الخليجية بحريةٍ، لا يصبح توحيد السياسات هدفًا نظريًا، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد وجد عموده الفقري في سوق عمله. وعندها تتحول الوحدة من مشروع سياسي إلى واقع اقتصادي يتشكل من الداخل، ويتكرس مع كل فرصة عمل عابرة للحدود.
مستشار قانوني
