الأربعاء, 30 سبتمبر 2026|17 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

وتيرة ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل تسارعت مع تجدد التضخم وارتفاع أسعار الفائدة

السندات اليابانية لأجل 10 سنوات سجلت أعلى عائد لها منذ أكثر من 3 عقود

عوائد السندات لأجل 10 سنوات لم تُظهر مؤشرات تذكر على إلحاق الضرر بالأسواق أو الاقتصاد الحقيقي

مؤشر ناسداك 100 سجل مستوى قياسياً جديداً رغم ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل

سعر خام برنت للتسليم الشهر المقبل يبلغ 107 دولارات للبرميل، مقابل 82 دولاراً بعد 12 شهراً

الخلاصة

ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تسجيل السندات اليابانية لأجل 10 سنوات أعلى عائد منذ 30 عاماً. رغم ذلك، لا تظهر مؤشرات ضرر على الأسواق أو الاقتصاد الحقيقي. أسباب الارتفاع تشمل قوة البيانات الاقتصادية وسياسة الفيدرالي المتشددة. ارتفاع العوائد قد يعزز الانضباط الرأسمالي لكنه يحمل مخاطر مالية للحكومات، خاصة في فرنسا واليابان.

شهدت خريطة الاقتصاد العالمي تحولات عميقة. ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل حول العالم، وهي حجر الأساس للنظام المالي بأكمله، إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.

تسارعت فجأة وتيرة ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل، وهو اتجاه كان واضحاً منذ أن تحول الانتعاش الاقتصادي القصير بعد الجائحة إلى تجدد التضخم وارتفاع أسعار الفائدة.

في اليابان، تسجل السندات لأجل 10 سنوات الآن أعلى عائد لها منذ أكثر من 3 عقود. في الأسواق الرئيسية الأخرى، بلغت تكاليف الاقتراض الحكومي أعلى مستوياتها منذ عشية الأزمة المالية العالمية قبل 19 عاماً، كما ترتفع بوتيرة غير مسبوقة منذ فترة طويلة قبل ذلك.

من المنظور المالي، ما يحدث هو زلزال حقيقي بالفعل. إلا أن الغريب هو أنه، رغم أن السندات الحكومية لأجل 10 سنوات تمثل الركيزة الأساسية للنظام المالي، وتحدد أسعار الفائدة الخالية من المخاطر التي تُسعَّر على أساسها جميع المعاملات تقريباً في نهاية المطاف، فإنها لا تُظهر مؤشرات تذكر على إلحاق الضرر بأي شيء آخر، سواء في الأسواق أو في الاقتصاد الحقيقي.

سجل "ناسداك 100"، وهو من أكثر المؤشرات المالية متابعةً على مستوى العالم، مستوى قياسياً جديداً الأسبوع الماضي، حتى مع اتجاه العوائد إلى الارتفاع. ويعود ذلك في النهاية إلى أن ارتفاعها ما زال يُنظر إليه، صواباً أو خطأً، على أنه حميد. 

الأسباب

تتعدد العوامل المحركة لسوق السندات، غير أنه يصعب الادعاء بأن أياً من العوامل الأكثر إثارة للذعر هو المسؤول عن هذا التحول. ومن بين المشكلات التي يُشار إليها كثيراً، لكن لا تبدو حاسمة عند التدقيق فيها، ما يلي: 

المخاوف المالية:

يتزايد العجز المالي لدى الحكومة ويصل إلى أرقام ضخمة ومثيرة للقلق، إذ تجاوز الدين الأمريكي القائم 40 تريليون دولار للمرة الأولى الشهر الماضي. لكن التضخم قلّص قيمة الدين القائم. وأظهر معهد التمويل الدولي هذا الأسبوع أن الدين يتراجع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. عند التعمق في تفاصيل سوق السندات، نجد أن "علاوة الأجل" وهي ببساطة العائد الإضافي الذي يطلبه مستثمرو السندات تعويضاً عن المخاطر التي تتجاوز مجرد تغير أسعار الفائدة، لم تتحرك تقريباً في الآونة الأخيرة. ولو كان هناك قلق حقيقي بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على سداد ديونها، لكانت هذه العلاوة ترتفع بسرعة.

المزاحمة بسبب الديون لتمويل الذكاء الاصطناعي:

تقترض شركات خاصة (غير مدرجة في البورصة) تتمتع بتصنيفات ائتمانية ممتازة مبالغ طائلة لبناء وتجهيز مراكز البيانات التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي للعمل.

هذه الديون ليست آمنة بقدر ديون الخزانة، لأن شركات مثل "ألفابت" و"أمازون" لا تستطيع حتى طباعة أموال جديدة للوفاء بالتزاماتها. غير أنه يصعب العثور على أي دليل يفيد بأن الأموال المُعتاد تخصيصها لسندات الخزانة يجري تحويلها نحو تلك الوجهة. 

السياسة:

في ألمانيا، تبدو الأمور السياسية مقلقة بشكل خاص، إذ فاز حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد بالأغلبية في إحدى انتخابات الولايات الأخيرة، بينما أخفق "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" بزعامة المستشار فريدريش ميرتس حتى في بلوغ عتبة الـ5% في انتخابات أخرى. لكن الإقبال على بيع السندات الألمانية كان أقل حدة من معظم الأسواق الأخرى.أما في الولايات المتحدة، فقد تحولت أسواق التنبؤ إلى تسعير سيناريو "الموجة الزرقاء"، ويفترض سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي. 

وعادةً ما يُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره غير مواتٍ للأسواق، لكن عوائد السندات تميل تاريخياً إلى التراجع خلال فترات الجمود السياسي، إذ تحد هذه الفترات من الإنفاق الحكومي الحاد الذي لا يفضله المستثمرون.

التضخم:

تُظهر استطلاعات الرأي استياءً بالغاً من ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن معظم مقاييس التضخم الأساسي في الولايات المتحدة، على الأقل، لا تزال تتراجع.وبما أن وزارة الخزانة تصدر سندات ترتبط عوائدها بالتضخم، فمن الممكن الحصول على قراءة دقيقة لتوقعات المستثمرين، التي لم تتغير تقريباً على مدى عدة سنوات. ولا يبيع المستثمرون السندات بسبب أي مخاوف من أن تنحرف ارتفاعات الأسعار عن مسارها وتخرج عن السيطرة.

النفط:

ارتفعت أسعار الطاقة مجدداً مع تصاعد الصراع في إيران، وتتزايد الأدلة على أن تدمير طاقة التكرير، وليس القيود المفروضة على خروج النفط الخام من المنطقة، هو ما يُحدث التأثير الأكبر في الاقتصاد. يفرض بلوغ أسعار الديزل مستويات قياسية عبئاً ثقيلاً (ضريبةً) على قطاعي الزراعة والتصنيع.

ظلت الأسعار مرتفعة لفترة أطول بكثير مما كان متوقعاً عندما بدأ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير. مع ذلك، لا تزال الأسواق تتصرف بناءً على افتراض أن هذه الآثار ستكون مؤقتة. يبلغ سعر خام "برنت" للتسليم الشهر المقبل الآن نحو 107 دولارات للبرميل، لكنه يبلغ 82 دولاراً للتسليم بعد 12 شهراً.إذا ساءت الأوضاع في الشرق الأوسط، فهذا يعني أن الكثير من الآثار السلبية لم يتم استيعابها وتسعيرها في الأسواق بعد، ورغم ذلك، يصعب الجزم بأن ارتفاع أسعار النفط هو السبب وراء هذا التحول. 

يُعد التفسير الأكثر منطقية لاضطراب أسواق السندات في الوقت ذاته واحداً من أكثر التفسيرات قبولاً وارتياحاً. كانت البيانات الاقتصادية أقوى بكثير من المتوقع في الآونة الأخيرة.وقد أدى ذلك، بالتزامن مع النهج المتشدد على نحو مفاجئ الذي يتبعه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش، إلى دفع الأسواق لتسعير الفائدة الأمريكية لليلة واحدة عند 4.75% بعد عام من الآن. وقبل الحرب مع إيران، كان من المتوقع أن تنخفض إلى 3%.

التداعيات (الإيجابية)

من الصعب وصف الارتفاع المفاجئ في تكلفة اقتراض الأموال على المدى الطويل بأنه خبر سار. لكن هناك بعض التداعيات الإيجابية.فإذا كان الاستثمار شبه الخالي من المخاطر سيمنحنا الآن عائداً مضموناً بنسبة 5% لمدة 10 سنوات، فسيصبح بديلاً عملياً للأسهم، أو سيسمح على أقل تقدير بإدارة المخاطر بصورة أكثر فاعلية. 

تقوم خطط المعاشات التقاعدية التقليدية التي تحدد مسبقاً مزايا المستفيدين منها بدلاً من تركها لتقلبات السوق، بتَمويل ضماناتها من خلال شراء السندات. وكلما زادت العوائد المتاحة، تراجعت التكلفة التي تتحملها للقيام بذلك. وبالتالي، يتراجع احتمال وقوع أزمة في صناديق المعاشات التقاعدية لا سيما لصالح موظفي القطاع العام من ذوي الدخول المنخفضة نسبياً، إذ لا تزال هذه الخطط هي المهيمنة. 

هناك أيضاً حجة تقليدية مؤيدة لاقتصاد السوق مفادها أن ارتفاع تكلفة النقود قد يكون هو الدواء الذي تحتاجه الرأسمالية تماماً، عبر إجبار الشركات على الإنفاق في مشاريع تتمتع باحتمال حقيقي لتحقيق عوائد. يأتي هذا بعد ما يقرب من عقدين بقيت فيهما العوائد منخفضة بلا مبرر طبيعي جراء سياسات مثل التيسير الكمي والتي سهلت تحقيق الأرباح لمجرد الاعتماد على الهندسة المالية.

يقول إيان هارنيت من شركة "أبسلوت ستراتيجي ريسيرش" (Absolute Strategy Research) في لندن: "تمثل العوائد الحقيقية المرتفعة مصدراً للانضباط الرأسمالي لكل من الحكومات والشركات. وهذا لا يعني بالضرورة تقييد الإنفاق الرأسمالي. من شأن العوائد الحقيقية المرتفعة أن تؤدي إلى توجيه الإنفاق الرأسمالي نحو مجالات أكثر إنتاجية".

وأضاف: "كان اعتراضنا على التيسير الكمي هو أن أسعار الفائدة الصفرية لم تعزز الإنفاق الرأسمالي، بل قلصته، إذ كافأ المستثمرون الشركات على توفير العائد من خلال توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم، بدلاً من الاستثمار في طاقات إنتاجية وعمليات جديدة". يرى أيضاً أن ارتفاع العوائد سيجعل الظروف أكثر صعوبة أمام العديد من جهات الإقراض المالي غير المصرفية التي ازدهرت خلال العقود الماضية.

المقارنة المقلقة هنا تتمثل في 2007، عندما شكل الارتفاع الأخير في عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوق مستوى 5%،  العامل المحفز لانسحاب الممولين من منتجات الائتمان المهيكل المعقدة القائمة على قروض الرهن العقاري عالي المخاطر.مع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان الإقراض غير المصرفي الحالي واسع الانتشار بالدرجة التي كانت عليها الصيرفة الموازية في ذلك الوقت.

يقول هارنيت إن انحسار التمويل المقدم من الجهات المالية غير المصرفية مجدداً سيحد من اعتماد الشركات على الهندسة المالية، ويدفعها بدرجة أكبر إلى توجيه أموالها نحو استثمارات إنتاجية حقيقية. 

المخاطر

مع ذلك، تكمن المخاطر في مثل هذا التحول المفاجئ لطبيعة السوق، وخصوصاً إذا ما واصلت العوائد موجة صعودها. لا تبدو المشكلات المالية هي السبب وراء ارتفاع العوائد، لكن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يدفع المالية العامة المتعثرة للحكومات نحو حافة الأزمة. 

لا تمثل هذه مشكلة كبرى بالنسبة للولايات المتحدة، التي تستفيد من ميزة كون الدولار العملة الاحتياطية العالمية، فضلاً عن تمتعها بمرونة مالية بفضل انخفاض مستوى الضرائب لديها مقارنة بغيرها. 

قد تتسبب زيادة الضرائب، ولا سيما على الأثرياء، في مشكلات خطيرة مستقبلاً، لكنها ستبدد سريعاً أي مخاوف قصيرة الأجل بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على سداد ديونها. 

يمثل ارتفاع العوائد ظاهرة عالمية، وكما يوضح الرسم البياني أعلاه، كان الارتفاع الأكثر حدة في البلدان التي تعاني مشكلات مالية واضحة، ولا سيما اليابان، حيث يبلغ الدين الإجمالي نحو 250% من الناتج المحلي الإجمالي، وفرنسا، التي لا تتحكم، بوصفها تتمتع بعضوية منطقة اليورو، في سياستها النقدية الخاصة. لم ترتفع تكاليف الاقتراض الفرنسية من حيث القيمة المطلقة فحسب، بل أصبحت الآن أعلى بمقدار 1.1 نقطة مئوية من العوائد المماثلة في ألمانيا المجاورة. لم يشهد الفارق بين البلدين اتساعاً أكبر من ذلك سوى لأشهر معدودة خلال ذروة أزمة الديون السيادية لمنطقة اليورو عامي 2011 و2012.

ويعني هذا أن الأسواق باتت تنظر مجدداً إلى فرنسا باعتبارها أكثر خطورة بكثير من ألمانيا، على الرغم من ارتباط الاقتصادين بالعملة الموحدة ذاتها. ولا أحد يبدي رغبة في رؤية تلك الأزمة تتكرر مجدداً. مع ترجيح أن تنتخب فرنسا رئيساً أكثر نزعة قومية العام المقبل، في مقابل جنوح ألمانيا نحو الداخل وتراجع ميلها لمد يد العون، يتصاعد خطر أن يُسفر هذا التحول الجذري في المشهد المالي عن زلزال سياسي يضرب منطقة اليورو.لكن مثل هذه التداعيات، إن حدثت، فهي مؤجلة إلى المستقبل. أما في الوقت الراهن، ورغم كل التحديات، فلا تزال الأسواق صامدة ومستقرة. 

محرر أول للأسواق قبل بلومبرغ، أمضى 29 عامًا في صحيفة فايننشال تايمز، حيث كان رئيسًا لعمود ليكس وكبير المعلقين على الأسواق.

خاص بـ " الشرق  بلومبرغ"

منتدى الاقتصادية 2026