علي الشدي
وافق مجلس الوزراء، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الأسبوع الماضي على الإستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35%. وتهدف الإستراتيجية إلى تعزيز نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومواجهة التحديات، ودعم ريادة الأعمال في قطاعات الصناعة والزراعة والتعليم والسياحة.
وأكد الدكتور ماجد القصبي، وزير التجارة رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، أن الإستراتيجية تستهدف الإسهام في توفير أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، ووصول المملكة إلى المركز الأول في مؤشر امتلاك المهارات والمعرفة الريادية بحلول 2030.
وأعلن القصبي أن الإستراتيجية تضم 13 مبادرة لتحسين وصول المنشآت إلى التمويل والأسواق، ورفع جاهزيتها وقدراتها التشغيلية. وبيّن أن الإستراتيجية تترجم التوجه نحو بناء منظومة أكثر تكاملًا وكفاءة، تفتح أمام المنشآت آفاقًا أوسع للنمو، والاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات، والوصول إلى أسواق جديدة محليًا ودوليًا.
اما وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد الراجحي فقد علق على الإستراتيجية بالقول ان موافقة مجلس الوزراء على الإستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال تجسد حرص القيادة الرشيدة على الاستثمار في الإنسان، ودعمها المستمر له. وتأتي هذه الإستراتيجية بوصفها مُمكّنًا أساسيًا لتأهيل القدرات الوطنية الشابة وترسيخ ثقافة الابتكار والريادة لدى أبناء وبنات الوطن، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويشكل قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي، ومؤشرًا على نضج الاقتصاد؛ إذ تصل مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 55% في بعض الاقتصادات المتقدمة، مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وتتراوح مساهمته في الاقتصادات الناشئة، مثل الهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، بين 30% و40%، ويُعوَّل على هذا القطاع كثيرًا في توفير فرص العمل.
وكعادتي، أود العودة إلى الماضي للمقارنة وبيان التطور الذي شهدته بلادنا خلال العقود الماضية؛ فقد برزت نماذج ناجحة لريادة الأعمال في مجال العقار، الذي شكّل أحد أسهل أبواب الدخول إلى عالم الأعمال.
وكانت البداية باستئجار مكتب صغير يجتمع فيه عدد محدود من الشغوفين بالبيع والشراء والوساطة العقارية، ومن هذه المكاتب الصغيرة خرج كبار العقاريين الذين عرفناهم ولمعت أسماؤهم، وهم يقرّون بأن العقار كان الباب الذي دخل منه كثيرون إلى عالم الأعمال، وأن بداياتهم كانت متواضعة جدًا، ونجح بعضهم في التوسع إلى قطاعات أخرى تجارية وصناعية وخدمية.
وجاءت الأجيال الجديدة لتسير على خطاهم، فإذا بالفرص قد أصبحت أصعب بكثير. ولذا تطلبت المرحلة توحيد الجهود والتوجهات عبر وضع هذه الإستراتيجية، التي صيغت وفق أحدث الأساليب لتهيئة فرص النمو أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الشباب، بما يمكّنهم من التقدم بوتيرة أسرع وتركيز أكبر، ويبشّر بمستقبل أفضل لشباب وشابات الأعمال.
وأخيرًا، لا تزال الحاجة قائمة إلى حوكمة هذا القطاع وتهيئة سبل نموه بصورة متوازنة ومستدامة، ومعالجة التحديات التي تحدّ من جاذبيته ونموه، وتجعل ممارسة ريادة الأعمال رهينة للاجتهادات الشخصية، أو نشاطًا تجاريًا يُمارَس على هامش الوظيفة الرسمية، ما يحدّ من استثمار الفرص ونضج التجارب الكفيلة بإطلاق مبادرات تحوّل الباحث عن عمل إلى صانع لفرص العمل لنفسه ولغيره.
ولتحقيق ذلك، فإن احتضان هذا التوجه، وتوفير بيئة تشريعية داعمة لرواد الأعمال، وتوسيع برامج التدريب القائمة على استكشاف مكامن القوة الاقتصادية وحاجات المجتمع، والانفتاح على الأسواق العالمية، كلها عوامل كفيلة بنشوء قطاع قوي يفرز رواد أعمال قادرين على شق طريقهم نحو النجاح، دون توقّع تحقيق الثراء منذ البداية، كما كان يتصوّر البعض في السابق.
وعليهم أن يدركوا أن الأمر لم يعد سهلًا كما كان، وأن يستعدوا ذهنيًا ويؤهّلوا أنفسهم بالتدريب والعمل المتواصل؛ فقد تكون البداية صعبة، لكنها تفتح آفاقًا واسعة أمام رواد الأعمال في هذه البلاد المباركة.
كاتب اقتصادي
