السبت, 7 نوفمبر 2026|26 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تعهدات بـ65 مليار دولار تقابلها استثمارات متراجعة 9% وتمويل بالدين يتأخر عن الركب

  • ألغت جنرال موتورز اتفاقها مع VAC بعدما كانت تستحوذ على 90% من إنتاج مصنعها للمغناطيسات في ساوث كارولاينا
  • هوت القيمة السوقية لـ"إنرجي فيولز" إلى أقل من ثلث مستواها في يناير بعدما بلغت نحو 6.5 مليار دولار
  • •

الخلاصة

شهد قطاع المعادن الحرجة تقلبات كبيرة بسبب صعوبة التنبؤ بالطلب والتأثير الصيني، رغم تعهدات اقتصادات متقدمة بتخصيص 65 مليار دولار لدعمه. شركة "إنرجي فيولز" واجهت انتكاسة بعد إلغاء "جنرال موتورز" اتفاقها، ما يهدد سلسلة الإمداد ويثير قلق المستثمرين حول استدامة الطلب في القطاع.

في عالم المعادن الحرجة، هناك خياران لا ثالث لهما، إمّا الجفاف أو الطوفان. لسنوات، اضطرت الشركات إلى خوض معارك من أجل انتزاع كل قرش تحتاجه لتمويل مساعيها لاستخراج العناصر النادرة أو معالجتها، وهي عناصر ضرورية لتشغيل السيارات الكهربائية والطائرات المسيّرة والأجهزة الطبية ومصابيح "ليد" والمحركات النفاثة ورقائق الكمبيوتر.

فالمستثمرون في أدوات الدين والأسهم، الذين تعتمد عليهم الشركات كثيفة رأس المال لبدء أعمالها، لم يجدوا ما يشجعهم على ضخ الأموال في هذا القطاع. إذ إن تكاليف التشغيل لا تقل عادةً عن نظيرتها في معادن أكثر شيوعاً، مثل النحاس والألمنيوم، وغالباً ما تفوقها بكثير. ونظراً لصغر حجم الأسواق وضعف سيولتها، يصبح من شبه المستحيل التنبؤ بالتدفقات النقدية طويلة الأجل بدرجة من الثقة تكفي لإقناع المصارف بتقديم قروض ضخمة.

تقلبات السوق تهدد استثمارات المعادن الحرجة

لهذا الحذر ما يبرره. فتحقيق التوازن بين العرض والطلب ليس بالأمر السهل في أي قطاع، ولكن المعادن الحرجة معرضة لذلك على نحو استثنائي. فإذا ابتكر المستخدمون النهائيون تركيبات جديدة تحتاج إلى كميات أقل من عنصر معين، أو تستغني عنه تماماً، فقد تنهار الجدوى الاستثمارية لقطاع بأكمله بين ليلة وضحاها.

وفوق ذلك كله، يخيّم شبح الصين على القطاع، فهي منافس منخفض التكلفة، قادر على إشعال الطلب على الإمدادات البديلة عبر تشديد قيود التصدير، أو دفع الأسعار إلى الانهيار عبر تخفيف تلك القيود. لكن المعادلة انقلبت سريعاً رأساً على عقب خلال العامين الماضيين. فقد تعهدت الاقتصادات المتقدمة العام الماضي بتخصيص 65 مليار دولار من الأموال العامة لدعم المعادن الحرجة، بما يزيد على أربعة أضعاف مستوى عام 2023. ونظرياً، يفترض أن يكون هذا المبلغ أكثر من كافٍ لوضع القطاع على أسس مالية متينة.

غير أن هذه التعهدات الحكومية لم تُترجم بعد إلى أموال تُضخ على أرض الواقع. فقد تراجعت الاستثمارات الفعلية بنسبة 9% العام الماضي على نحو مقلق. وبدأت شركات التعدين والمعالجة تكتشف اليوم درساً يتعلمه بعض الفائزين باليانصيب بعد تجارب مريرة: فالثروة المفاجئة قد تخلق مشكلات بقدر ما تحلّ.

طفرة المعادن النادرة قد تصطدم بانتكاسة مفاجئة

لنأخذ شركة "إنرجي فيولز" (Energy Fuels) على سبيل المثال. بدأت الشركة نشاطها بإنتاج اليورانيوم في الولايات المتحدة، لكن لسوء حظها، واجهت انهيار أسعار الوقود النووي عقب كارثة "فوكوشيما دايتشي" عام 2011. ومع اندلاع الحروب التجارية خلال ولاية ترمب الأولى، أعادت الشركة رسم مسار أعمالها، مستفيدةً من منشأتها لمعالجة اليورانيوم في جنوب شرق ولاية يوتا لفصل العناصر الأرضية النادرة.

كان توقيت هذا التحول مثالياً. ففي العام الماضي، بدأت الشركة تجارب لفصل بعض أندر العناصر الأرضية، مثل الديسبروسيوم والتيربيوم والساماريوم، المستخدمة في صناعة مغناطيسات قادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة. وتزامنت هذه الخطوة مع حالة من الذعر أخذت تسود أوساط المصنعين الأمريكيين، بعدما خنقت الصين صادرات هذه المغناطيسات رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب تحت شعار "يوم التحرير".

بحلول أواخر يناير من العام الجاري، كانت قيمة سهم "إنرجي فيولز" قد تضاعفت خمس مرات خلال سبعة أشهر. وفي خضم هذه الطفرة، سعت إدارة الشركة إلى تحويلها إلى منتج متكامل رأسياً للعناصر الأرضية النادرة، يشرف على جميع مراحل الإنتاج "من المناجم إلى المغناطيسات". ولهذه الغاية، أنفقت 300 مليون دولار على شراء شركة تعدين أسترالية، قبل أن تعلن في يونيو عن صفقة أخرى بقيمة 1.9 مليار دولار للاستحواذ على شركة تصنيع المغناطيسات "VAC".

لكن هذه الطفرة اصطدمت بعقبة كبيرة الشهر الماضي، بعدما ألغت "جنرال موتورز" اتفاقها مع الشركة، وفق ما أفادت به "رويترز". وكانت شركة صناعة السيارات الأمريكية تستحوذ على 90% من إنتاج مصنع "VAC" للمغناطيسات المصنوعة من العناصر الأرضية النادرة في مدينة سمتر في ولاية ساوث كارولاينا. أما القيمة السوقية لـ"إنرجي فيولز"، التي بلغت نحو 6.5 مليار دولار في يناير، فقد هوت الآن إلى أقل من ثلث ذلك المستوى.

خسارة عميل واحد تهدد سلسلة الإمداد بأكملها

المشكلة أنه لا يمكن بناء سلسلة إمداد متكاملة "من المناجم إلى المغناطيسات" على تقييمات سوقية للأسهم يدفعها الحماس. فكسر قبضة الصين على المعادن الحرجة يتطلب استثمارات مستمرة في جميع مراحل سلسلة الإنتاج، من التعدين والمعالجة إلى التصنيع النهائي. غير أن هذه المنظومة برمتها تقوم في نهاية المطاف على ركيزة لا تستطيع الحكومات توفيرها بمجرد إصدار قرار، وهي الطلب المستقر من الشركات التي تستخدم منتجاتها.

عندما وقّعت "جنرال موتورز" اتفاقها الرئيسي مع "VAC" عام 2023، كانت رئيستها التنفيذية ماري بارا تتحدث عن إنتاج مليون سيارة كهربائية سنوياً في أمريكا الشمالية بحلول 2025. لكن الواقع جاء بعيداً عن تلك الطموحات، إذ لم تنتج الشركة سوى 170 ألف سيارة، وتكبدت منذ ذلك الحين أعباء مالية تتجاوز 11 مليار دولار لتقليص برنامجها للسيارات الكهربائية وإعادة هيكلته.

ولدى شركة صناعة السيارات، التي تتخذ في ديترويت مقراً لها، اتفاقات منفصلة بالفعل لتوريد مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة مع شركتي "إم بي ماتيريالز" (MP Materials) و"نوفيون ماغنيتكس" (Noveon Magnetics)، ما يجعل إنتاج "VAC" الآن زائداً عن حاجتها.

في ظل القلق الذي يخيّم على قطاع العناصر الأرضية النادرة حول العالم، يُفترض ألا تواجه "VAC" صعوبة في العثور على عملاء بديلين لشراء مغناطيساتها. لكن ذلك ليس مضموناً.

ففي قطاع صغير وهش كهذا، قد تؤدي خسارة عميل نهائي عملاق واحد إلى تداعيات تمتد عبر سلسلة التوريد بأكملها. ولن يقتصر الضرر على الشركات المتأثرة مباشرة، بل قد يدفع المستثمرين إلى العزوف عن قطاع المعادن الحرجة برمته، ما يحرمه من رؤوس الأموال الخاصة التي يحتاج إليها تحديداً لإرساء أسس مالية مستقرة.

الاختبار الحقيقي للمعادن الحرجة.. من سيصمد؟

تتكرر الصورة نفسها لدى الشركات الخمس عشرة تقريباً المدرجة في البورصة ضمن قطاع المعادن الحرجة. فقد حلّقت أسعار أسهمها، وهي الأسرع تحركاً بين مكونات التمويل المؤسسي، قبل أن تنهار بالفعل في حالات كثيرة.

وارتفعت أيضاً الأرصدة النقدية وحقوق الملكية الدفترية، بعدما ساهم صعود الأسعار والتقييمات السوقية في تعزيز هوامش الربح، ومكّن الشركات من جمع تمويل إضافي من المساهمين. لكن التمويل بالدين، الذي يُعد المعيار الذهبي لأي شركة تسعى إلى تمويل توسع كبير، لا يزال متخلفاً عن الركب.

يحظى قطاع المعادن الحرجة اليوم بمقومات دعم لم تتوافر له منذ عقود، من أسعار دنيا مضمونة حكومياً، وقروض واستثمارات حكومية في الأسهم، إلى إقبال المستثمرين من القطاع الخاص، فضلاً عن مبررات قوية لاستمرار الأهمية الحرجة لهذه المعادن لسنوات مقبلة.

لكن ما لا يزال يفتقر إليه القطاع إلى حد كبير هو الطلب المستدام الذي يمكن أن يحوّل كل هذا الدعم إلى شركات قادرة على الاستمرار على المدى الطويل. فالاختبار الحقيقي ليس في حجم الأموال التي تتعهد الحكومات بتقديمها، ولا في مدى صعود أسعار الأسهم، وإنما في عدد الشركات التي ستبقى صامدة عندما يتلاشى الحماس.

كاتب عمود في بلومبرغ أوبينيون، يغطي أخبار السلع الأساسية، إضافة إلى الشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسل لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وول ستريت جورنال، وفاينانشيال تايمز، والجارديان.

خاص بـ "الشرق – بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية