لم تعد نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد اختبار سياسي لولاية الرئيس دونالد ترمب، بل تحولت إلى مؤشر مبكر يعيد المستثمرون من خلاله قراءة مستقبل الاقتصاد والأسواق المالية، في ظل تصاعد الرهانات على انتخابات الرئاسة المقررة عام 2028. وبينما يترقب المستثمرون تداعيات الانقسام السياسي في واشنطن، بدأت أسواق التوقعات ترسم ملامح تحول محتمل في المشهد السياسي الأمريكي، مع صعود أسماء ديمقراطية إلى واجهة المنافسة على البيت الأبيض.
ويبدو أن فوز الديمقراطيين الواسع بمجلسي الكونجرس، رغم أنه كان متوقعاً إلى حد كبير، حمل رسائل تتجاوز حدود السياسة الداخلية. فالمستثمرون باتوا أمام احتمال استمرار الجمود التشريعي خلال العامين المقبلين، بالتزامن مع تزايد أهمية السياسات التي قد تتبناها الإدارة الأمريكية المقبلة، بدءاً من تنظيم الذكاء الاصطناعي، مروراً بالتجارة والهجرة، وصولاً إلى الضرائب والإنفاق الدفاعي. وفي هذا السياق، تبرز رهانات انتخابات 2028 بوصفها عاملاً جديداً قد يؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل، حتى قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية الرسمية.
أوسوف يتقدم.. و2028 تدخل حسابات المستثمرين
شهدت أسواق التوقعات السياسية تحولاً لافتاً عقب الانتخابات، إذ تصدر السيناتور الديمقراطي عن ولاية جورجيا جون أوسوف قائمة المرشحين المحتملين للفوز بالرئاسة الأمريكية عام 2028، متقدماً على نائب الرئيس الحالي الجمهوري جي دي فانس. وأظهرت منصتا «بولي ماركت» و«كالشي»، اللتان تتيحان تداول التوقعات بشأن الأحداث السياسية والاقتصادية والرياضية، ارتفاع احتمالات فوز أوسوف إلى 18%، بزيادة 5 نقاط مئوية، متقدماً بثلاث نقاط على فانس خلال تداولات الأربعاء.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً، إذ كان فانس يُعد المرشح الجمهوري الأوفر حظاً لخلافة ترمب، فيما لم يكن أوسوف قد أعلن ترشحه، بل سبق أن نفى مراراً رغبته في خوض السباق الرئاسي.
لكن السيناتور البالغ 39 عاماً، الذي احتفظ بمقعده في مجلس الشيوخ عن جورجيا بفارق نحو 20 نقطة مئوية، يبدو قادراً على استقطاب شرائح من الناخبين، خصوصاً مع توجهاته الديمقراطية المعتدلة وانتمائه إلى ولاية جنوبية. ومع ذلك، تبقى هذه الاحتمالات مبكرة ومتقلبة، ولا تمثل بالضرورة مؤشراً حاسماً على نتائج انتخابات تبعد عامين، لكنها تعكس تغيراً في المزاج السياسي قد ينعكس تدريجياً على الأسواق.
السياسات الديمقراطية.. مخاطر جديدة على أرباح الشركات
تكتسب هذه الرهانات أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين، إذ إن احتمال وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض عام 2028 قد يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير مجموعة من الملفات الاقتصادية والتنظيمية.
ومن أبرز هذه الملفات تنظيم شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، والضرائب على الشركات، والإنفاق الدفاعي، والهجرة، والرعاية الصحية، والسياسات الخارجية والتجارية. ومع ترجيح اتجاه المشهد السياسي نحو الديمقراطيين، ستصبح مواقف الحزب من هذه القضايا أكثر تأثيراً في توقعات المستثمرين، حتى في ظل كونجرس منقسم قد يحد من قدرة الإدارة الحالية على تمرير تشريعات واسعة.
وقال لوكا باوليني، إستراتيجي الاستثمار لدى «بيكتيه لإدارة الأصول»، إن احتمالات فوز الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة عام 2028 ارتفعت بصورة ملموسة، مشيراً إلى ضرورة التعامل بجدية مع أجندة الحزب المتعلقة بالتنظيم والضرائب على الشركات، بوصفها عوامل قد تشكل مخاطر على الأرباح والنمو.
وبالنسبة إلى الأسواق، فإن هذه المخاطر لا تتعلق فقط بما قد يحدث خلال العامين المقبلين، بل أيضاً بما يمكن أن تعنيه السياسات المستقبلية عن تكلفة الاستثمار، وهوامش الربح، وتقييمات الشركات، خصوصاً في القطاعات التي استفادت من البيئة التنظيمية الأكثر مرونة.
النفط وتكاليف المعيشة.. العامل الحاسم في التحول السياسي
كان ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، نتيجة الحرب مع إيران وزيادة الرسوم الجمركية، من أبرز العوامل التي أسهمت في هزيمة الجمهوريين، وهو ما يضع الحزبين أمام تحدٍ مشترك يتمثل في تجنب تكرار الضغوط التضخمية التي أثقلت كاهل الناخبين. فالتضخم العالمي الذي شهدته الولايات المتحدة خلال رئاسة جو بايدن كان أحد الأسباب الرئيسية لعودة ترمب إلى البيت الأبيض بسهولة نسبية في انتخابات 2024، على حساب كامالا هاريس.
ومن ثم، فإن تداعيات انتخابات التجديد النصفي قد تدفع الجمهوريين والديمقراطيين إلى تبني مواقف أكثر اعتدالاً تجاه ملفات الطاقة والسياسة الخارجية والتجارة، سعياً إلى خفض الأسعار وتخفيف الضغوط على الأسر الأمريكية. وقد ينعكس ذلك على أسواق النفط، التي باتت شديدة الحساسية تجاه احتمالات التصعيد أو التهدئة في الشرق الأوسط.
فأي تحول نحو خفض التوترات العسكرية أو تسوية الحرب مع إيران قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تدعم أسعار الخام، في حين أن استمرار التصعيد قد يعيد الضغوط الصعودية إلى السوق.
فانس وترمب أمام اختبار «أمريكا أولاً»
لم يتأخر نائب الرئيس جي دي فانس في تحميل الحرب مع إيران مسؤولية الهزيمة الجمهورية، إذ وصفها بأنها «السبب الذي خسرنا بسببه»، وهو تصريح دفع أسعار النفط إلى التراجع وسط تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول في السياسة الأمريكية. لكن هذه التصريحات لم تكن مجرد محاولة لتفسير نتائج الانتخابات، بل عكست أيضاً إدراكاً متزايداً لدى الجمهوريين بأن أجندة «أمريكا أولاً» قد تحتاج إلى مراجعة قبل انتخابات 2028.
ويرى جوناثان شرور، إستراتيجي الاستثمار لدى «يوني كريديت»، أن الأداء الضعيف للجمهوريين سيضعف المرشحين المرتبطين بحركة «ماغا»، ومن بينهم فانس وماركو روبيو، وقد يشجع على ظهور مرشح من خارج التيار يتجه نحو الوسط السياسي. ويشير هذا التحول المحتمل إلى أن قضايا مثل تنظيم الذكاء الاصطناعي، وتخفيف سياسات الهجرة الأكثر تشدداً، وتهدئة النزاعات التجارية والخارجية، قد تصبح أكثر حضوراً في الخطاب السياسي الأمريكي خلال المرحلة المقبلة.
ترمب في سنواته الأخيرة.. والأسواق تراقب أثر القرارات
تزايدت التكهنات خلال الأسابيع الأخيرة بشأن احتمال أن يصبح ترمب أكثر تقلباً في الملفات التي يملك صلاحيات واسعة بشأنها، خصوصاً السياسة الخارجية والعسكرية، وإلى حد ما السياسة التجارية، مع اقتراب نهاية ولايته.
لكن ردود فعل الرئيس الأمريكي في المقابلات الأولى عقب ظهور النتائج لم تُظهر بالضرورة هذا السيناريو، وهو ما اعتبرته الأسواق عاملاً إيجابياً.
ومع ذلك، فإن اقتراب انتخابات 2028 قد يحد تدريجياً من تأثير التحولات المفاجئة في السياسات الأمريكية، إذ ستبدأ الأسواق في التعامل معها بوصفها قرارات قد تكون مؤقتة، مرتبطة بالمرحلة السياسية الحالية.
وقال جورج سارافيلوس، إستراتيجي الاستثمار لدى «دويتشه بنك»، إن الأسواق باتت أكثر ميلاً إلى تفسير التحولات المفاجئة في سياسات الإدارة التنفيذية بوصفها محدودة زمنياً، في ضوء الانتخابات الرئاسية المقبلة والتغيرات في التوازن السياسي الداخلي.
وأضاف أن علاوة المخاطر في أسعار النفط قد تتراجع تدريجياً كلما طال أمد عدم حدوث تصعيد جديد في الحرب مع إيران، في إشارة إلى أن الأسواق قد تصبح أقل استعداداً لتسعير مخاطر جيوسياسية طويلة الأجل إذا تزايدت احتمالات التهدئة.
عامان طويلان سياسياً.. وقصيران استثمارياً
لا يمكن تجاهل أن الفترة المتبقية حتى انتخابات 2028 قد تحمل تطورات كثيرة، كما أظهرت السنوات الماضية أن المشهد السياسي والاقتصادي الأمريكي قادر على التحول بصورة سريعة وغير متوقعة. لكن بالنسبة إلى القرارات الاستثمارية الاستراتيجية، فإن عامين لا يمثلان فترة طويلة بالضرورة.
فالمستثمرون الذين يتعاملون مع آفاق زمنية ممتدة سيبدأون تدريجياً في إدخال احتمالات التغيير السياسي ضمن تقييماتهم، سواء تعلق الأمر بقطاع الطاقة، أو شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أو التجارة الدولية، أو الضرائب والإنفاق الحكومي.
وفي نهاية المطاف، فإن نتائج انتخابات التجديد النصفي لا تعني أن السياسات الأمريكية ستتغير بصورة فورية، لكنها تشير إلى أن الأسواق بدأت فعلا في النظر إلى ما بعد ترمب، وإلى أن السباق نحو البيت الأبيض عام 2028 قد يصبح أحد العوامل المؤثرة في اتجاهات الاستثمار والأسواق العالمية خلال المرحلة المقبلة.
فالساعة بدأت تدق نحو 2028، والأسواق لا تنتظر إعلان المرشحين الرسميين كي تبدأ في تسعير المستقبل.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
