الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لا تُكتب قصص التحول الاقتصادي الكبرى بمعدلات النمو وحدها، بل بقدرة الدول على تحويل مواردها وإمكاناتها إلى قدرات إنتاجية مستدامة، وبناء قطاعات جديدة قادرة على الابتكار والمنافسة. ومن هذا المنطلق، تقدم رؤية السعودية 2030 تجربة اقتصادية عالمية تتجاوز تنويع مصادر الدخل إلى إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد، وتوسيع دور القطاع الخاص، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والإنتاج.

ويطرح هذا التحول سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لاقتصاد يمتلك موردًا طبيعيًا رئيسيًا أن يوظف ثروته وإمكاناته الاستثمارية في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة عالميًا؟

تقدم تجارب النمور الآسيوية، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، نموذجاً مهماً في هذا المجال. فقد استغرقت تحولات هذه الاقتصادات عقوداً من الاستثمار في الصناعة والتقنية، وتطوير رأس المال البشري، ورفع الإنتاجية، وتوسيع الصادرات، حتى بنت شركات ومنظومات إنتاجية قادرة على الابتكار والوصول إلى الأسواق العالمية. وتؤكد هذه التجارب أن التحول الاقتصادي العميق يتطلب رؤية طويلة الأجل وقدرة على بناء قطاعات تتراكم فيها الخبرات والتقنيات والقدرات الإنتاجية مع مرور الوقت.

أما التجربة السعودية، فتنطلق من معطيات مختلفة؛ إذ تمتلك السعودية موارد طبيعية كبيرة وإمكانات استثمارية واسعة، وتعمل على توظيفها في بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً، بالتوازي مع تطوير القطاعات القائمة. ويُعد إنشاء قطاعات اقتصادية جديدة داخل اقتصاد قائم من أكثر التحولات تعقيداً؛ فهو لا يقتصر على تمويل المشاريع أو استقطاب الشركات، بل يتطلب تأسيس منظومات متكاملة تشمل التقنيات والكفاءات والموردين وسلاسل الإمداد والأسواق.

وما يميز المسار السعودي هو اتساع نطاق التحول وتعدد القطاعات المستهدفة، بالتزامن مع تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا مقارنة بالمسارات التاريخية لعدد من الاقتصادات الصناعية الآسيوية.

وتبرز المؤشرات الاقتصادية هذا التحول؛ فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5% في 2025، وحققت الأنشطة غير النفطية نمواً بلغ 4.9%. كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 44% عند إطلاق الرؤية إلى 51% في 2025. وتكشف هذه المؤشرات عن اتساع قاعدة النشاط غير النفطي وتنامي دور القطاع الخاص، في تحول يتجاوز نمو القطاعات القائمة إلى توسيع مجالات الاستثمار والإنتاج داخل الاقتصاد السعودي.

ويبرز صندوق الاستثمارات العامة أحد المحركات الرئيسية لهذا المسار؛ فقد بلغت أصوله المُدارة نحو 3.4 تريليون ريال في 2025، ووصلت استثماراته المحلية التراكمية خلال الفترة من 2021 إلى 2025 إلى نحو 750 مليار ريال، فيما بلغت مساهمته التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي خلال الفترة نفسها نحو 1.286 تريليون ريال. كما أسهمت أنشطته بما يعادل 11% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في 2025.

وتبرز هذه الأرقام دور الاستثمار طويل الأجل في تأسيس الشركات وتطوير القطاعات، وربط الاستثمارات بالبنية التحتية والتقنيات والموردين، بما يهيئ المجال لنشوء منظومات اقتصادية متكاملة.

ويقدم قطاع السيارات الكهربائية مثالاً على هذا التوجه؛ فقد أطلق الصندوق شركة «سير» عام 2022، بوصفها أول علامة تجارية سعودية متخصصة في صناعة السيارات الكهربائية، بالشراكة مع شركة «فوكسكون»، مع الاستفادة من تقنيات مرخصة من «بي إم دبليو».

ويتجاوز هذا المشروع إنتاج السيارات إلى بناء منظومة صناعية تشمل الموردين وسلاسل الإمداد وتأهيل الكفاءات واستقطاب الشركاء الدوليين. ويجسد ذلك طموح السعودية إلى المشاركة في التحولات الصناعية والتقنية العالمية، والإسهام في صناعة منتجات المستقبل وتطوير قدراتها الإنتاجية داخل الاقتصاد السعودي.

ولا يقتصر التحول على الاستثمار والإنتاج، بل يمتد إلى سوق العمل. فقد تراجع معدل البطالة بين السعوديين من 12.3% في عام 2016 إلى 7.2% في الربع الرابع من 2025، بعدما بلغ 6.3% في الربع الأول من العام نفسه، متجاوزاً المستهدف الأصلي للرؤية البالغ 7%، الذي رُفع لاحقاً إلى 5%. كما ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل من 22.8% إلى نحو 35%، متجاوزة المستهدف الأصلي البالغ 30%. وتبرز هذه التحولات اتساع قاعدة المشاركة الاقتصادية، وتنامي الاستفادة من الطاقات البشرية الوطنية، وتغيراً ملموساً في بنية سوق العمل خلال سنوات الرؤية.

ويواكب ذلك توسع الاستثمار في المعرفة والابتكار؛ فقد ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 30.4% في 2024، ليبلغ نحو 29.48 مليار ريال، كما ارتفع عدد العاملين في هذا المجال بنسبة 14.7% إلى 56,593 شخصاً. وتمثل هذه المؤشرات جانباً مهماً من التحول؛ إذ إن بناء قطاعات متقدمة لا يعتمد على رأس المال والبنية التحتية وحدهما، بل يستند أيضاً إلى المعرفة والمهارات والقدرة على تطوير التقنيات وتحويلها إلى منتجات وحلول ذات قيمة اقتصادية.

وعلى مستوى تنفيذ الرؤية، أظهر التقرير السنوي لعام 2025 أن 93% من المؤشرات حققت مستهدفاتها السنوية أو تجاوزتها أو اقتربت منها، فيما بلغت نسبة المبادرات المكتملة أو التي تسير وفق المسار المحدد 90%. وتبرز هذه المؤشرات وجود منظومة متابعة تقيس التقدم عبر مؤشرات ومبادرات محددة، وتربط الطموحات الإستراتيجية بمستهدفات قابلة للقياس، بما يعزز استمرارية التحول وتكامل مساراته.

أما الصادرات السلعية غير النفطية، فتقدم صورة أكثر تفصيلاً عن طبيعة التحول الإنتاجي والتجاري؛ فقد ارتفعت الصادرات السلعية غير النفطية، شاملة إعادة التصدير، من نحو 308 مليارات ريال في 2024 إلى نحو 366 مليار ريال في عام 2025، بنمو بلغ 18.9%. غير أن هذا النمو ارتبط بدرجة كبيرة بارتفاع إعادة التصدير، في حين تراجعت الصادرات الوطنية غير النفطية، باستبعاد إعادة التصدير، بنسبة 0.1%.

ويبرز هذا التمييز تعدد أوجه الحضور الاقتصادي للسعودية؛ فإعادة التصدير تعزز دورها التجاري واللوجستي، بينما يبرز تطور الصادرات الوطنية بصورة أكثر مباشرة أداء الإنتاج المحلي وقدرته على المنافسة في الأسواق الخارجية.

ومن التجربة السعودية تبرز ثلاثة دروس مترابطة: توظيف الموارد والإمكانات الاستثمارية لفتح قطاعات وأسواق جديدة؛ وبناء منظومات إنتاجية متكاملة تربط الشركات والموردين والمهارات والتقنيات؛ وربط التنويع بالتنافسية الدولية، بحيث يمتد نجاح القطاعات الجديدة من تأسيس بنيتها إلى تحقيق إنتاجية أعلى وصادرات وطنية واستثمارات خاصة متنامية.

ومن خلال رؤية 2030، تقدم السعودية نموذقاً عالمياً في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً، يستند إلى مواردها وإمكاناتها، وينفتح على آفاق اقتصاد المستقبل. وتجسد هذه التجربة حقيقة أن امتلاك الموارد يمنح نقطة الانطلاق، فيما يصنع الاستثمار في الإنسان والمعرفة والإنتاج آفاق التقدم؛ فالمكانة الاقتصادية لا تصنعها الثروات وحدها، بل القدرة على تحويلها إلى إنجازات راسخة تصنع المستقبل.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية