الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 5 مايو 2026 | 18 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

دين مرتفع وخيارات صعبة

إيرا دابلا نوريس
الاثنين 4 مايو 2026 12:51 |4 دقائق قراءة

تنطوي سياسة المالية العامة دائما على مفاضلات. من ستُموّل أولوياته؟ ومن ستُؤجل أعباؤه؟ ورهن أي شروط؟ وحتى وقت قريب، كانت الحكومات قادرة على تأجيل هذه الخيارات من خلال الاقتراض بشروط ميسرة. ولكن في الوقت الحالي، أدت مستويات الدين غير المسبوقة وارتفاع تكاليف الاقتراض إلى زيادة المخاطر. وفي الوقت نفسه، يتزايد الطلب على التمويل العام رغم تضاؤل الموارد. ولا يمكن للمجتمعات التوفيق بنجاح بين الأولويات المتنافسة إلا إذا اعتمدت على أمر غالبا ما يُغفل عنه ويندر وجوده حاليا، ألا وهو ثقة الشعب.

وحتى قبل جائحة كوفيد-19، كان الدين العام في ارتفاع مطرد. ففي كثير من الديمقراطيات، فضّلت البرامج السياسية زيادة الإنفاق والعجوزات بينما أرجأت الإصلاحات الهيكلية وزاد الوضع سوءا بسبب النمو الاقتصادي المحدود، والإنفاق على رعاية كبار السن المتزايدة أعدادهم، والتردد في رفع الضرائب. لذلك أُرجئت الخيارات الصعبة وتراكمت الديون، بدعم من التراجع غير المعتاد لأسعار الفائدة على مدى العقدين الماضيين.

ثم في 2020، واجهت الحكومات أسوأ انهيار اقتصادي منذ الكساد الكبير، فبدأت في الاقتراض بكثافة. وقفز دين الاقتصادات المتقدمة بعشرات النقاط المئوية من إجمالي الناتج المحلي؛ وفي بعض البلدان، تجاوز الدين 120%. ورغم القيود الأكبر التي تخضع لها بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، فقد لجأت إلى الاقتراض بكثافة أيضا. وحالت هذه الاستجابة دون وقوع كارثة أعمق. ورغم أن مستويات الدين استقرت منذ ذلك الحين في كثير من الحالات، فإن البلدان تواجه الآن عالما لم يعد فيه الاقتراض رخيصا.

واليوم، يواجه صناع السياسات أزمة في المالية العامة مماثلة لأزمة كوفيد طويلة الأمد - ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكاليف الديون. فقد ارتفع الدين العام العالمي إلى 93,9% من إجمالي الناتج المحلي في  2025 وهو في سبيل الوصول إلى أكثر من 100% بحلول  2028 – وتلك مستويات غير مسبوقة في وقت السلم – ما يمثل نقطة تحول للسياسة الاقتصادية والسياسة. وفي الوقت ذاته، نجد أن القوى الهيكلية طويلة الأمد – مثل شيخوخة السكان وتغير المناخ وزيادة المطالب الاجتماعية، وكذلك تراجع تدفقات المعونة والارتفاع المستمر في تكاليف الاقتراض في حالة البلدان منخفضة الدخل – مستمرة في استنزاف الميزانيات بينما تمارس التوترات الجغرافية-السياسية الناشئة ضغوطا على الإنفاق على الدفاع والسياسة الصناعية.

أعباء الدين

انتهت حقبة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، ولكن اتجاهات النمو الاقتصادي لم تشهد تغيرا يُذكر. وفي غضون فترة قصيرة، تضاعفت تكاليف الاقتراض أو زادت بمقدار ثلاثة أضعاف. وفي الوقت الحالي، تستحوذ فواتير الفائدة على حصة أكبر من الميزانيات العامة، حتى أنها تزاحم الأولويات الأخرى.

ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع صافي مدفوعات فائدة الديون من نحو 2% من إجمالي الناتج المحلي قبل الجائحة إلى 4,2% في 2025 – متجاوزا الإنفاق على الدفاع - ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه. وفي البلدان منخفضة الدخل، تستهلك مدفوعات الفائدة 21% من الإيرادات الضريبية في المتوسط. ويعني ارتفاع الدين أن هناك حيزا أضيق للاستجابة للصدمات، ويؤثر في الاقتصاد الأوسع نطاقا من خلال زيادة تكلفة رأس المال، كما يُعقّد صنع السياسة النقدية بينما يحفز الكبح المالي.

ومن شأن ارتفاع الدين أيضا أن يهدد الاستقرار المالي، لا سيما في الأسواق الصاعدة، إذا ارتفع عائد الدين نتيجة لتشكك المستثمرين في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها. ومع زيادة ضيق الأوضاع المالية، يمكن أن تزداد حدة إجراءات التصحيح وتتم بصورة أشد مباغتة – وهو ما يذكرنا برؤية الاقتصادي الألماني رودي دورنبوش الذي عاش في القرن العشرين، حيث قال "يستغرق وقوع الأزمات وقتا أطول بكثير مما تتصور، ثم تقع بصورة أسرع بكثير مما كنت تتصور". والدين المرتفع يحَوّل الدخل القومي إلى الدائنين على حساب الاحتياجات الأخرى.

وفي عالم يتسم بانخفاض الدين وأسعار الفائدة، يمكن للحكومات اجتناب الخيارات الصعبة من خلال المزيد من الاقتراض على أمل أن يُولّد النمو الاقتصادي إيرادات ضريبية إضافية كافية لخدمة الدين وسداده في النهاية. غير أن حقبة الخيارات السهلة انتهت الآن. فكل دولار تقترضه الحكومة دون أن يقابله إيراد مساوٍ يعنى ضمنا زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق في المستقبل، على الأقل لتغطية الفائدة الإضافية التي يُولدها الدين الجديد.

وبعد نقطة معينة، يفضي مزيد من الاقتراض إلى فرض قرارات مؤلمة – من خلال التقشف أو التضخم أو القمع المالي أو حتى التعثر في السداد. وبالتالي، يصبح السؤال الذي لا مفر منه هو: في ظل الحيز المالي المحدود، ما هي المفاضلات المتاحة، ومن سيتحمل التكلفة؟

المأزق المالي

إحدى المفاضلات المستمرة تتمحور حول حجم الحكومة. ففي ظل ارتفاع مستويات المعيشة، أصبح المواطنون يتوقعون شبكات أمان اجتماعي موثوق بها، وتعليما ورعاية صحية ميسورة التكلفة، واستثمارا عاما قويا، وحماية من مجموعة متزايدة من المخاطر، بما في ذلك الأحوال الجوية القاسية والجوائح. وقد توسعت الاقتصادات المتقدمة توسعا كبيرا في إرساء دولة الرعاية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكثير منها فعل ذلك مرة أخرى في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وإثر جائحة كوفيد–19.

وتواجه اقتصادات الأسواق الصاعدة ضغوطا قوية لتعزيز ما لديها من شبكات أمان أكثر تواضعا حيث يطالب المواطنون بنمو يراعي اعتبارات العدالة. وتكمن المشكلة في أن الرغبة في الحصول على المزايا تطغى في العادة على استعداد المجتمعات لتعبئة الإيرادات. فقرارات خفض الضرائب لا يعقبها ضبط الإنفاق في كل الأحوال. وليس بوسع الحكومات توفير مزايا مثلما تقدمه بلدان الشمال الأوروبي دون أن تفرض ضرائب في المستوى الذي تفرضه تلك البلدان، وحتى مع فرض هذه الضرائب، فإن الشيخوخة والضغوط الأخرى تفرض تحديا أمام هذه العملية الحسابية.

المدير المساعد لإدارة آسيا والمحيط الهادئ بصندوق النقد الدولي.

مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية