الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026|8 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


ديفيد فيكلينج

@davidfickling

مليارات الدولارات تدعم شراء الوقود فيما تتعثر مشاريع الطاقة النظيفة بسبب تعقيدات التمويل

بنجلادش تخصص نحو 3.1 مليار دولار من حزمة طارئة بقيمة 3.3 مليار دولار لسداد واردات النفط والغاز

المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة قدمت تمويلات بقيمة 78 مليار دولار منذ تأسيسها 2008

قطاع الطاقة غير المتجددة استحوذ على 67% من تمويلات المؤسسة التراكمية حتى 2024 مقابل 16% للغذاء والزراعة

الخلاصة

تساعد "المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة" الدول الفقيرة على تمويل واردات الوقود الأحفوري، مثل بنجلادش التي خصصت 3.3 مليار دولار لدعم الطاقة. بين 2020 و2024، قدمت المؤسسة 29 مليار دولار تمويلات، لكنها لا تحل مشكلة نقص رأس المال للنمو، ما يجعل الدول تعتمد على الوقود الأحفوري رغم وجود بدائل أنظف.

مع تجاوز سعر مزيج برنت 100 دولار للبرميل خلال معظم الشهر الماضي، وارتفاع أسعار الديزل بأكثر من المثلين، قد يتبادر إلى الذهن أن أفقر الدول المستوردة للوقود الأحفوري في العالم تواجه حالياً ظروف أزمة خانقة.

لكن عدم وصول هذه الدول إلى تلك المرحلة حتى الآن يعود إلى أحد أسرع الاتجاهات نمواً في تمويل التنمية، والمتمثل في مساعدة مستهلكي النفط والغاز على دفع تكاليف الوقود الذي لا يستطيعون تحمل أسعاره.

خذ على سبيل المثال حزمة الدعم الطارئ لقطاع الطاقة، البالغة 3.3 مليار دولار، التي أقرتها حكومة بنجلادش الأسبوع الماضي.

إصلاح شبكة الكهرباء واستيراد الوقود

سيُوجَّه نحو 200 مليون دولار من "بنك التنمية الآسيوي" لمصلحة برنامج يمتد لـ5 سنوات لإصلاح شبكة الكهرباء المتهالكة على أطراف العاصمة دكا التي تشهد توسعاً عمرانياً سريعاً، حيث أدى انقطاع التيار الكهربائي لمدة 12 ساعة أو أكثر إلى إشعال الاحتجاجات وقطع الطرق.

لكن الحصة الكبرى من هذه الأموال، والبالغة نحو 3.1 مليار دولار، ستُستخدم لسداد تكاليف واردات النفط والغاز خلال السنة المالية الحالية وحدها.

يعتمد هذا التمويل، بدوره، بشكل كبير على السيولة والخبرات التي تقدمها "المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة" (ITFC)، وهي إحدى أسرع مصارف التمويل متعددة الأطراف نمواً في العالم.

على خلاف مؤسسات التمويل متعددة الأطراف التقليدية، مثل "البنك الدولي" و"بنك التنمية الآسيوي"، لا يتمثل النشاط الأساسي لـ"المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة" في توفير تمويل منخفض التكلفة لمشاريع البنية التحتية دعماً للتنمية الاقتصادية.

في المقابل، خُصص معظم التمويلات التي قدمتها المؤسسة، والبالغة 78 مليار دولار منذ تأسيسها عام 2008، لعمليات مماثلة لقرض بنجلادش، عبر تقديم قروض بشروط شبه تجارية لمساعدة الدول التي تعاني شح السيولة على سداد تكاليف وارداتها النفطية.

ويمثل ذلك مكسباً للدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، التي تُعدّ المساهمين الرئيسيين في المؤسسة.

تمويلات بمليارات الدولارات

كان الطلب المتزايد على هذا النوع من التمويل كافياً لتحويل "المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة"، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من كبرى مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف في العالم.

وبين عامي 2020 و2024، بلغ إجمالي التمويلات التي صرفتها المؤسسة 29 مليار دولار، ما وضعها في مصاف مؤسسات التمويل التقليدية، مثل "بنك التنمية الإفريقي" و"البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية".

وقّعت المؤسسة خلال العام الحالي وحده اتفاقيات إطارية تقدم 1.5 مليار دولار لكل من المالديف ومصر، و2.9 مليار دولار لبوركينا فاسو وساحل العاج وجيبوتي، ومليار دولار لموريتانيا، و706 ملايين دولار للسنغال.

فكما يدرك أي شخص في هافانا أو كراتشي أو مانيلا هذه الأيام، فإن الحرمان من واردات الوقود قد تكون له تداعيات مدمرة بقدر ما تخلّفه أزمة العملة.

من خلال مساعدة الدول المستفيدة على مواجهة مثل هذه الطوارئ، تلبي المؤسسة الاحتياجات العاجلة للسكان الذين يواجهون أوضاعاً صعبة، على غرار ما يفعله "صندوق النقد الدولي" عندما تنفد احتياطيات النقد الأجنبي.

يُخصَّص جزء من قروض المؤسسة للاحتياجات غير النفطية أيضاً؛ إذ وُجِّهت نحو 16% من إجمالي التمويلات التراكمية حتى عام 2024 نحو قطاع الغذاء والزراعة، مقابل 67% ذهبت مباشرة إلى قطاع الطاقة غير المتجددة. مع ذلك، قد لا تبدو هذه الترتيبات صفقة جيدة للدول المستفيدة.

صعوبات تحقيق النمو

تواجه أفقر دول العالم، ومنها دول عديدة أعضاء في "منظمة التعاون الإسلامي" التي أُنشئت المؤسسة لخدمتها، صعوبات في تحقيق النمو بسبب نقص رأس المال.

لا يحل الاقتراض المتكرر لتمويل واردات الوقود هذه المشكلة الأساسية، بل يؤجلها فحسب إلى وقت لاحق، حين قد تتكرّر المشكلات نفسها، المتمثلة في استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي وتفاقم الدين الحكومي.

والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسات تدفع الدول المستفيدة إلى إنفاق الأموال على شراء الوقود من دول أكثر ثراءً، في وقت أن هذا الوقود سيُستهلك بالكامل خلال بضعة أشهر. أما مشكلتها الأساسية التي تكمن في نقص الأصول القادرة على دعم النمو لعقود مقبلة، فتبقى من دون حل.

ومثلاً، فإن استثمار مليار دولار في محطات الطاقة الشمسية يوفر، على مدى عمرها التشغيلي، كمية من الكهرباء تعادل نحو 10 أمثال ما يوفره إنفاق المبلغ نفسه على الغاز الطبيعي المسال.

في المقابل، يسهل الحصول على تمويل منخفض التكلفة للغاز الطبيعي المسال، بينما تتعثر مشاريع الطاقة الشمسية في إجراءات الموافقة الطويلة والمعقدة لدى بنوك التنمية الكبرى. وتتمثل نتيجة كل ذلك في إبقاء الدول النامية معتمدة على الوقود الأحفوري، رغم توافر بدائل أفضل بالفعل.

مفارقة بنجلادش

تُجسّد حالة بنجلادش هذه المفارقة بوضوح؛ إذ تقترض إحدى أكثر دول العالم عرضة لمخاطر الفيضانات وموجات الحر والأعاصير مع تفاقم تغير المناخ، أموالاً من الدول المصدرة للنفط لشراء المنتجات النفطية. ويفوق سعر هذا الوقود قدرة المواطنين في بنجلادش على شرائه من دون مزيد من الدعم الحكومي.

في الوقت نفسه، تفرض الحكومة نفسها شبكة معقدة من اللوائح التنظيمية التي تعرقل نمو قطاع الطاقة النظيفة الأقل تكلفة. لا يكمن الحل في الانزعاج من هذا الوضع، بل في اتخاذ خطوات لمواجهته وتحقيق التوازن.

لطالما كانت بنوك التنمية التقليدية بطيئة للغاية، وإجراءاتها معقدة ومثقلة بالأعباء، في تمويل مشاريع الطاقة النظيفة بالحجم المطلوب. ولكي يزيد حجم الإنفاق على تحول الطاقة عن اقتصاد الوقود الأحفوري، يتعين على الجهات الممولة لمشاريع الطاقة النظيفة تكثيف جهودها.

كاتب عمود في بلومبرغ ويغطي السلع، والشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسلًا لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وفاينانشيال تايمز، والجارديان سابقا.

خاص بـ "الشرق ـ بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية