علي الجحلي
@alialjahli
كل عام، تتحول بلدة دافوس السويسرية الهادئة إلى مركز ثقل عالمي، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد، وتلتقي رؤى قادة الدول مع مصالح كبرى الشركات، في حدث بات يُنظر إليه بوصفه مرآة تعكس حال العالم وتناقضاته. منتدى دافوس، الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يعد مجرد اجتماع اقتصادي، بل أصبح ساحة مفتوحة لعرض أبرز التحديات التي تهدد استقرار النظام العالمي.
يتصدر الاقتصاد العالمي أجندة دافوس عامًا بعد عام، لكن النقاشات الأخيرة تعكس قلقًا متزايدًا من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وتفاقم الديون. فالحرب، والأزمات الصحية، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل أسهمت في جعل التعافي الاقتصادي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
في أروقة المنتدى، يتحدث المسؤولون عن “نمو شامل” و”اقتصاد أكثر عدالة”، إلا أن الأرقام على الأرض تشير إلى اتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، بل وحتى داخل الدولة الواحدة. وبينما تحقق الشركات الكبرى أرباحًا قياسية، تعاني فئات واسعة من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة.
لم يعد العالم كما كان قبل عقد من الزمن. فالنظام الدولي يشهد تحولات عميقة مع صعود قوى جديدة وتراجع أخرى، ما زاد من حدة التنافس الجيوسياسي. النزاعات المسلحة، والحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، كانت حاضرة بقوة في نقاشات دافوس، ليس بوصفها أحداثًا سياسية فقط، بل كعوامل تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والغذاء.
ورغم أن المنتدى يوفر مساحة للحوار بين أطراف متباعدة، فإن قدرته على التأثير المباشر في مسار هذه الأزمات تبقى محدودة. فدافوس لا يوقع اتفاقيات سلام ولا ينهي نزاعات، لكنه يسلط الضوء على كلفة استمرارها، محذرًا من أن العالم يدفع ثمن الانقسام أكثر مما يظن.
إذا كان هناك ملف يحظى بإجماع نادر في دافوس، فهو التغير المناخي. الكوارث الطبيعية المتكررة، من فيضانات وحرائق وجفاف، لم تعد سيناريوهات مستقبلية، بل واقعًا يفرض نفسه على الاقتصادات والمجتمعات.
الخطابات في المنتدى تدعو إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات، لكن التناقض يظل حاضرًا. فبعض الدول والشركات التي تتحدث عن الاستدامة لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للدخل. وبين الطموح البيئي والواقع الاقتصادي، يقف العالم أمام سباق مع الزمن.
الثورة الرقمية فرضت نفسها بقوة على جدول أعمال دافوس. الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والأمن السيبراني، أصبحت مفاهيم أساسية في أي نقاش عن المستقبل. ويرى المشاركون أن التكنولوجيا قادرة على إحداث طفرة في الإنتاجية وتحسين جودة الحياة.
لكن الوجه الآخر لهذه الثورة لا يقل حضورًا، حيث تتزايد المخاوف من فقدان الوظائف، واتساع الفجوة الرقمية بين الدول، وغياب الأطر الأخلاقية لاستخدام التقنيات الحديثة. وفي دافوس، يتكرر السؤال: هل تسير التكنولوجيا في خدمة الإنسان، أم أن الإنسان بات مطالبًا بملاحقة التكنولوجيا؟
خلف الواجهات الزجاجية وقاعات الاجتماعات الفاخرة، يلوح سؤال لا يمكن تجاهله: من يمثل دافوس؟ فبينما يجتمع قادة العالم في جبال الألب، تعيش شعوب كثيرة تحت ضغط الفقر والبطالة وغياب الفرص.
هذا التناقض غذّى انتقادات متزايدة للمنتدى، ووسمه بأنه “منتدى النخب”. فالمحتجون يرون أن الحلول المطروحة غالبًا ما تبقى حبيسة الخطابات، ولا تصل إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها. ومع تصاعد الغضب، باتت أزمة الثقة بين المستهلك والنخب الاقتصادية أحد أخطر التحديات التي يناقشها دافوس.
لا يمكن إنكار أن دافوس ينجح في جمع العالم حول طاولة واحدة، وأنه يفتح الباب أمام شراكات ومبادرات عابرة للحدود. لكنه في الوقت ذاته يواجه اختبارًا حقيقيًا: هل يستطيع الانتقال من منصة للنقاش إلى محرك للتغيير؟
المنتدى يدرك هذه المعضلة، ويحاول التركيز على النتائج العملية، إلا أن التنفيذ يبقى مرهونًا بإرادة الدول والشركات. فالتحديات المطروحة أكبر من أن تُحل بخطابات، وأعمق من أن تُعالج بتوصيات عامة.
دافوس اليوم ليس مجرد حدث سنوي، بل مؤشر على حالة العالم. هو مكان تتلاقى فيه المخاوف والطموحات، وتتصادم فيه المصالح والرؤى. وفي عالم يزداد تعقيدًا وترابطًا، يبدو واضحًا أن التحديات التي تُناقش في دافوس لا تخص النخب وحدها، بل تمس حياة مليارات البشر.
ويبقى السؤال المفتوح بعد كل دورة: هل ينجح العالم في تحويل ما يُقال في دافوس إلى أفعال حقيقية، أم سيظل المنتدى شاهدًا على أزمات تتكرر، بينما تتغير الكلمات فقط؟
كاتب اقتصادي
