الاثنين, 19 أكتوبر 2026|7 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في الـ12 من أكتوبر 2026، صرّح الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، خلال مؤتمر البترول العالمي في الرياض، أن السعودية تستهدف رفع قدرتها على نقل النفط عبر خطوط الأنابيب إلى 10 ملايين برميل يوميًا خلال عامين إلى 3 أعوام، مقارنة بقدرة قصوى تبلغ نحو 7 ملايين برميل يوميًا حاليًا.

وتشمل الخطة تطوير محطات الضخ وشبكة النقل، والاستفادة مؤقتًا من أحد خطوط الغاز المحلية لنقل الخام، بما قد يضيف نحو 1.2 مليون برميل يوميًا خلال 7 إلى 8 أسابيع. ويعيد هذا الإعلان إلى الواجهة خط شرق–غرب، المعروف باسم "بترولاين"، أحد أبرز استثمارات البنية التحتية التي أنشأتها المملكة قبل نحو نصف قرن، وما يواصل توليده من قيمة اقتصادية وإستراتيجية.

رؤية سبقت الحاجة

تعود بدايات مشروع خط شرق–غرب إلى عام 1977، حين وضعت السعودية أسس مشروع لربط مرافق النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر مسافة تتجاوز 1200 كيلومتر. وجاء القرار ضمن رؤية بعيدة المدى لتنويع منافذ تصدير النفط، وتوسيع خيارات الوصول إلى الأسواق العالمية، وتعزيز قدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها بوصفها أحد أهم موردي النفط في العالم.

ومع تعاقب الأزمات والتوترات الإقليمية، أثبت الخط أهمية هذا التوجه، وأصبح أحد المقومات الأساسية لموثوقية الإمدادات النفطية للمملكة. فقد أتاح نقل كميات كبيرة من الخام إلى البحر الأحمر عبر مسار يتجنب مضيق هرمز، ومنح منظومة التصدير مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات التي قد تؤثر في حركة الملاحة.

وقد واصلت السعودية تطوير الخط على مدى العقود الماضية، في مسيرة تظهر قدرتها على تحويل الخطط الإستراتيجية إلى إنجازات ملموسة. فقد ارتفعت قدرته من نحو 1.85 مليون برميل يوميًا في مرحلته الأولى إلى 3.2 ملايين برميل يوميًا عام 1987، ثم إلى 5 ملايين عام 1993، وصولًا إلى قدرة قصوى تبلغ نحو 7 ملايين برميل يوميًا. وتزامنت هذه التوسعات مع استثمارات في مرافق التخزين والتصدير على ساحل البحر الأحمر، ما عزز تكامل شبكة النقل مع الموانئ والمرافق الصناعية في ينبع.

وتمنح هذه الإنجازات المتعاقبة مستهدف الوصول إلى 10 ملايين برميل يوميًا أساسًا راسخًا من المصداقية؛ فالسعودية تمتلك سجلًا طويلًا من تنفيذ التوسعات ورفع القدرات التشغيلية، مستندة إلى الخبرات الهندسية والاستثمارية المتراكمة. وتكتسب الخطط المستقبلية أهميتها من كونها امتدادًا لمسيرة تطوير أثبتت جدواها عبر مراحل متعددة، وأسهمت في تعزيز جاهزية قطاع الطاقة لمواكبة المتغيرات.

ولعل من أبرز الشواهد الحديثة على هذه الكفاءة ما حدث في سبتمبر 2026، حين تعرض خط شرق–غرب لهجمات أدت إلى توقفه مؤقتًا، وأثارت مخاوف بشأن انعكاسات تعطل الإمدادات على أسواق النفط وأسعاره. إلا أن أرامكو أثبتت جاهزيتها وقدرتها على التعامل مع هذا التحدي، إذ باشرت فرقها المتخصصة تقييم الأضرار وتنفيذ أعمال الإصلاح، مستفيدة من الاستعداد المسبق وتوافر المواد اللازمة وسرعة الاستجابة. وقد أثمرت هذه الجهود استئناف تشغيل الخط خلال فترة وجيزة، وفي السادس من أكتوبر أعلن وزير الطاقة أن تدفقات النفط عبره بلغت نحو 5.8 ملايين برميل يوميًا.

وقد أسهم استئناف التشغيل في تهدئة المخاوف المتعلقة بالإمدادات، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط وتحسن تدفقات الخام من المنطقة. وتكشف هذه الاستجابة عن مستوى الكفاءة الفنية والتنظيمية لدى أرامكو، وقدرتها على إدارة الأصول الإستراتيجية واستعادة تشغيلها في الظروف الاستثنائية. كما تبرز حرص المملكة على استمرارية سلاسل الإمداد، وإدراكها لأهمية استقرار تدفقات النفط بالنسبة إلى المستهلكين والقطاعات الصناعية حول العالم.

نموذج متكامل لتعظيم القيمة المستدامة

وتفتح التوسعة المرتقبة مرحلة جديدة لتعظيم العائد الاقتصادي من هذا الاستثمار. فزيادة قدرة النقل تمنح السعودية خيارات أوسع لإدارة صادراتها والاستفادة من موقعها الجغرافي ومنافذها البحرية المتعددة. وفي الظروف الاعتيادية، يتيح ميناء ينبع الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية عبر مسارات قد تختصر زمن الرحلات البحرية وتكاليفها، بحسب وجهة الشحنة وظروف الملاحة. كما تمنح هذه المرونة أرامكو قدرة أكبر على المفاضلة بين منافذ التصدير وفقًا لاتجاهات الطلب وتكاليف الشحن والتأمين.

وتتضاعف القيمة الاقتصادية لهذه الخيارات عند اضطراب الملاحة في مضيق هرمز؛ إذ تسمح بتحويل كميات أكبر من الخام نحو البحر الأحمر، وتخفف مخاطر انقطاع الصادرات وما يرتبط بها من إيرادات. وتنعكس هذه القدرة على استقرار التدفقات المالية المرتبطة بالقطاع النفطي، بما يدعم التخطيط المالي والاستثماري طويل الأجل. كذلك تتيح مرونة التصدير للمملكة المحافظة على علاقاتها التجارية مع عملائها، وتمنحهم قدرًا أكبر من الوضوح عند تخطيط احتياجاتهم المستقبلية.

وتبرز قيمة إضافية في تكامل خط شرق–غرب مع مرافق التكرير والصناعات النفطية في ينبع. وتمثل مصفاة ياسرف، التي تبلغ طاقتها التكريرية نحو 400 ألف برميل يوميًا، مثالًا على منظومة تحول النفط الخام إلى وقود ومنتجات مكررة ذات قيمة مضافة. ويسهم هذا التكامل في توسيع فرص التصنيع المحلي، وتنشيط خدمات التخزين والموانئ والنقل، وتعزيز الروابط بين الأنشطة الصناعية واللوجستية. كما أن تطوير شبكة قائمة يتيح الاستفادة من الأصول والخبرات المتراكمة، وترشيد متطلبات الإنفاق الرأسمالي مقارنة بإنشاء منظومة جديدة بالكامل.

وعلى المستوى العالمي، تسهم هذه القدرات في تعزيز أمن إمدادات النفط والحد من آثار اضطراب الممرات البحرية على الأسواق. وتزداد أهمية هذا الدور مع اتساع الترابط بين الطاقة والصناعة والنقل والتجارة الدولية؛ إذ تساعد موثوقية الإمدادات على تخفيف حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستهلكين، وتدعم استقرار العلاقات التجارية عبر مختلف المناطق.

وهكذا تواصل السعودية تحويل رؤيتها بعيدة المدى إلى مزايا اقتصادية ملموسة؛ تستفيد منها في أوقات الاستقرار، وتتضاعف أهميتها في الأزمات، وتمتد آثارها إلى شركائها التجاريين وأسواق الطاقة العالمية. ويظل خط شرق–غرب شاهدًا على قيمة الاستثمار الذي يسبق الحاجة، ويواصل توليد العوائد والفرص مع تغير الظروف.

مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية