محمد الماضي
لم تعد المسألة اليوم في قدرة المؤسسات الإعلامية على إنتاج الخبر، بقدر ما أصبحت في قدرتها على تحويل المحتوى إلى نموذج أعمال مستدام دون التفريط في الثقة. فالمحتوى لم يعد مادة تنشر فقط، بل أصبح أصلا من أصول المنشأة تبنى حوله منتجات وإيرادات وتجارب رقمية. وتتحول صناعة المحتوى من نشاط داعم إلى ركيزة أساسية في منظومة الإعلام.
وتظهر ملامح هذا التحول بوضوح في الأرقام الرسمية. إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن سوق الإعلام في السعودية يشهد تحولا هيكليا متسارعا، مع توقع نموه بمعدل سنوي مركب بنحو 9% حتى 2030 ليصل إلى نحو 41 مليار ريال سعودي، وارتفاع إسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 16 مليار ريال في 2024 إلى 47 مليار ريال في العام نفسه. ويواكب ذلك تحول واضح في نماذج الإيرادات، مع توقع هيمنة القنوات الرقمية على نحو 90% من الإنفاق الإعلاني بحلول 2029، في إشارة إلى انتقال الإعلام من نموذج تقليدي إلى صناعة قائمة على المحتوى الرقمي والبيانات والتحليل.
ولا يدفع هذا التحول منطق السوق وحدها، بل تسانده بيئة تنظيمية أكثر مرونة. فقد عملت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام على التراخيص المبسطة وتحديث الأطر المنظمة للأنشطة الإعلامية، خصوصا الرقمية، بما يخفض عوائق الدخول ويسرع إطلاق المنصات والمنتجات الجديدة. هذا الجانب التنظيمي ينقل التحول من مجرد سردية مستقبلية إلى قدرة تنفيذية، ويمنح المؤسسات الإعلامية مساحة أوسع لتطوير منتجات رقمية متنوعة ضمن إطار تنظيمي واضح.
على الصعيد المحلي، يمكن ملاحظة ملامح هذا التحول في تجارب مجموعات إعلامية سعودية كبرى توسعت في المنصات الرقمية والمحتوى المتخصص، بما يعكس انتقالا تدريجيا من نموذج الصحيفة إلى نموذج شركات محتوى، دون أن يعني ذلك تراجعا عن جوهر الصحافة، بقدر ما يعني إعادة بناء المنتج ونموذج الإيرادات.
على المستوى العالمي، تقدم صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نموذجا واضحا لتحول الصحف إلى شركات محتوى متعددة المنتجات. ففي نهاية 2025 بلغ إجمالي المشتركين نحو 12.78 مليون مشترك، مع اعتماد متزايد على باقات اشتراك تشمل الأخبار والألعاب والمحتوى الصوتي والخدمات المختصة، حيث بات أكثر من نصف المشتركين ضمن خطط متعددة المنتجات. والأهم أن هذا التحول انعكس ماليا، إذ سجلت الشركة صافي ربح سنوي بنحو 344 مليون دولار في 2025، بما يبرهن أن نموذج الاشتراكات المقترنة بالمنتجات الرقمية قادر على تحقيق استدامة مالية حقيقية، لا مجرد نمو شكلي أو مؤقت.
وعلى الصعيد الوطني، تكتسب المبادرات المؤسسية أهمية خاصة في توجيه هذا التحول، ويبرز هنا منتدى الإعلام السعودي 2026 بوصفه منصة رسمية تجمع صناع القرار والمؤسسات الإعلامية والمستثمرين، لمناقشة مستقبل الصناعة الإعلامية كنشاط اقتصادي منظم لا كممارسة تقليدية. فوجود منتدى وطني بهذا الحجم يعكس انتقال النقاش من سؤال كيف ننتج المحتوى إلى سؤال أعمق: كيف نبني نماذج أعمال إعلامية مستدامة تحافظ على الثقة، وتخلق قيمة وأثرا.
وعليه، فإن تحول المحتوى إلى صناعة لم يعد خيارا نظريا، بل استجابة طبيعية لتحولات السوق. غير أن الاستدامة لا تتحقق بالانتشار وحده، بل بمعادلة أدق تقوم على توسيع المنتجات وتنويع الإيرادات دون خلط بين التحرير والتسويق. وحين تدار الثقة كأصل من أصول المنشأة، يصبح النمو قابلا للاستمرار لا لحظة عابرة.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
