لم تكن قيمة الكتابة في الكلمات وحدها، بل في الندرة التي تقف خلفها. في الوقت الذي يحتاجه الكاتب ليفكر، ويتردد، ويحذف، ويعيد النظر، ويتحمل مسؤولية ما يكتب. لذلك لم يكن النص الجيد مجرد جمل مرتبة أو لغة سليمة، بل نتيجة موقف وسياق وتجربة وحكم. لكن الذكاء الاصطناعي غيّر هذه المعادلة. لم تعد الكتابة صعبة كما كانت، ولم يعد إنتاج النص دليلا كافيا على أن وراءه فكرة حقيقية.
لكن المشكلة لا تكمن في الأداة نفسها، بل حين نترك لها مهمة التفكير عنا. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الكاتب في البحث، وترتيب الأفكار، واختبار الزوايا، ومراجعة النصوص، لكنه لا يستطيع أن يمنحه تجربة أو موقفا أو مسؤولية تجاه ما يكتبه. عند هذه النقطة تتحول المساعدة إلى تفويض كامل، ويمنح الكاتب الآلة حقه في التفكير قبل أن تمنحه هي نصا جاهزا.
تلفت الكاتبة جيل ليبور، في مقالها المنشور في مجلة نيويوركر، إلى أن ما نسميه اليوم المحتوى الرديء المنتج بالذكاء الاصطناعي لم يظهر فجأة مع النماذج التوليدية الحديثة، بل هو امتداد طويل لمحاولات أتمتة الكتابة وتحويل اللغة إلى قوالب واحتمالات. لكن الفرْق اليوم أن هذه المحاولات لم تعد مجرد تجارب على هامش التقنية، بل أصبحت جزءا من الاستخدام اليومي للكتابة وإنتاج المحتوى. هنا تبدأ الكتابة في فقدان ندرتها؛ لا لأن الآلة تكتب فقط، بل لأن النص أصبح قابلا للتوليد والتكرار والتوزيع بسرعة غير مسبوقة، أحيانا من دون أن يعرف القارئ هل يقرأ تجربة إنسانية أم مخرجا آليا مرتبا.
عندما تنخفض تكلفة إنتاج المحتوى إلى هذا الحد، يزيد المعروض بسرعة. وحين يزيد المعروض في أي سوق، لا ترتفع القيمة بالضرورة، بل تنتقل الندرة إلى مكان آخر. لم تعد الندرة في القدرة على إنتاج النص، بل في القدرة على التمييز. ولم تعد القيمة في أن نكتب أكثر، بل في أن نكتب شيئا يستحق أن يُقرأ.
وتكشف الأرقام أن المسألة لم تعد ملاحظة عابرة. ففي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، تشير البيانات إلى أن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي بدأ يظهر بكثافة في الكتب الإلكترونية والموسيقى والمحتوى المنشور على الإنترنت. فقد احتوى أكثر من نصف الكتب الإلكترونية الجديدة المنشورة على أمازون بنهاية 2025 على نص مولد بالذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت المقاطع المنتجة بالذكاء الاصطناعي 40% من المواد المرفوعة إلى منصة Deezer، مع تقديرات بأن ما يصل إلى ثلث المحتوى الجديد على الإنترنت قد يكون مصنوعا آليا. هذه الأرقام لا تعني أن الآلة تنتج أكثر فقط، بل أن الكتابة نفسها تدخل مرحلة يصبح فيها التوليد أسهل من التمييز.
وفي التعليم، تبدو المسألة أكثر وضوحا. ففي مقال نشرته صحيفة التلغراف، حذرت كاثرين راندل، الأكاديمية في جامعة أكسفورد، من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يسمح للطالب بأن يكتب عن كتاب لم يقرأه، وأن يحصل على معرفة شكلية لا يمر بها فعلا. وهذه ليست مشكلة غش فقط، بل مشكلة أعمق في معنى التعلم نفسه. فالكتابة هنا لا تعد دليلا على أن الطالب فهم ما قرأ، بل قد تصبح مجرد نص مرتب يخفي غياب القراءة الحقيقية.
وفي الإعلام أيضا، لا يصبح الخطر في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في أن تتحول السرعة إلى بديل عن التحقق، وأن يصبح النص السهل بديلا عن الحكم التحريري. فالمؤسسة الجادة لا تقاس بقدرتها على إنتاج محتوى أكثر، بل بقدرتها على معرفة ما الذي يستحق النشر، وما الذي يجب التوقف عنده، وما الذي لا ينبغي تمريره حتى لو كان قابلا للإنتاج.
هنا لا تفقد الكتابة قيمتها، لكنها تغير موضع هذه القيمة. لم تعد القيمة في القدرة على ملء الصفحة، بل في القدرة على معرفة ما الذي يستحق أن يدخلها أصلا. فالآلة قد تنتج نصوصا كثيرة في وقت قصير، لكنها لا تعرف دائما ثقل الفكرة، ولا أثر الجملة، ولا متى يكون الحذف أصدق من الإضافة.
لم يجعل الذكاء الاصطناعي المحتوى أكثر فقط، بل كشف هشاشة كثير منه. فقد كانت بعض النصوص تستمد قيمتها من صعوبة إنتاجها، لا من عمق فكرتها. وحين أصبحت الكتابة أسهل، انكشف الفرق بين نص يولد من تجربة وموقف، ونص يملأ مساحة فارغة. لذلك قد لا يكون سؤال المرحلة المقبلة من يستطيع أن يكتب؟ بل من يستحق أن نقرأ له؟ فحين تتضخم الكلمات، لا يعود الامتياز لمن يكتب أكثر، بل لمن يكتب بوعي أوضح، وحكم أصدق، وفكرة تستحق أن تبقى.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
