الأربعاء, 9 سبتمبر 2026|26 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


د. بكر عبداللطيف الهبوب

تصل الحوكمة إلى بعض الشركات متأخرة، مثل حقيبة تُجهَّز قبل السفر بساعات. فعند اقتراب جولة استثمارية، أو عملية تمويل، أو طرح أولي، أو صفقة اندماج واستحواذ، تظهر فجأة مجالس الإدارة واللجان والسياسات ومصفوفات الصلاحيات وإدارات المخاطر والالتزام. يكتمل الشكل بسرعة، لكن النضج الذي يمنح هذا الشكل قيمته لا يتكوّن بالسرعة نفسها.

النضج المؤسسي ليس حالةً تنتقل إليها الشركة بقرار إداري، بل مسار يتطور مع نمو الأعمال وتعقّدها. تبدأ المؤسسة عادةً باستجابات ظرفية، من بينها الفحص اليدوي، ومعالجة المخالفة بعد وقوعها، والاعتماد على ضوابط مرتبطة بأشخاص بعينهم. ثم تنتقل إلى «حوكمة شكلية» تُكتب فيها السياسات، وتُوثّق الضوابط، وتُحدّد الصلاحيات.

ومع اتساع الأعمال، تظهر «حوكمة تشغيلية» تدخل فيها الرقابة والتقارير وتصعيد المخاطر في دورة اتخاذ القرار. ومع تراكم الممارسة والخبرة، تتكامل الحوكمة والمخاطر والالتزام والتدقيق، وتصبح المراقبة مستمرة، والبيانات مصدرًا للإنذار المبكر، والضوابط جزءًا من نموذج التشغيل؛ إيذانًا بالانتقال من حوكمة المظهر إلى حوكمة الجوهر، ومن الامتثال إلى «الحوكمة الناضجة».

المشكلة تبدأ عندما تتسع فجوة النضج المؤسسي بين سرعة نمو الشركة وقدرتها على ضبط نفسها. فقد تنتقل من عشرين موظفًا إلى ألف، ومن سوق واحدة إلى عدة أسواق، ومن مؤسس يدير التفاصيل إلى مجلس وإدارة تنفيذية، بينما تبقى طريقة اتخاذ القرار، وجودة المعلومات، وتوزيع المسؤوليات، وقدرة الرقابة على مواكبة هذا النمو في مستوى سابق. وقد يحدث العكس؛ فتُضاف اللجان والسياسات والأنظمة قبل أن تكون العمليات والمعلومات والثقافة مستعدة لها، فتبدو المؤسسة أكبر من نضجها الفعلي.

لهذا لا يكفي النظر إلى ما أضافته الشركة إلى هيكلها، بل إلى ما تغيّر في طريقة عملها. قد يكون لديها مجلس ولجان ومصفوفة صلاحيات، لكن تنقصها الاستقلالية والمعلومات الموثوقة والممارسة الفعلية. وقد تصبح الحوكمة تشغيلية عندما تدخل التقارير والرقابة وتصعيد المخاطر في القرار، لكن يظل الاتساق والاستمرارية محدودين.

أما الحوكمة الناضجة فتظهر عندما يختبر المجلس الإستراتيجية، وتتعلم الإدارة من الأخطاء، وترتبط المخاطر بالقرار، وتتحول البيانات والضوابط إلى قدرة على التنبؤ والصمود. وعند بلوغ المستوى الإستراتيجي تصبح GRC جزءًا من نموذج التشغيل، لا جهازًا منفصلًا عنه.

لهذا يصبح المظهر مضللًا عندما ينفصل عن الجوهر. فالمعيار ليس وجود الضابط، بل أثره في السلوك والقرار وقدرته على كشف الانحراف مبكرًا. وجود لجنة لا يعني أنها مؤثرة، ووجود سياسة لا يعني أنها مطبقة، ووجود سجل للمخاطر لا يعني أن المخاطر تدخل فعليًا في القرار. وحتى إنشاء إدارة متخصصة في GRC قد لا يضيف نضجًا إذا تحولت إلى جزيرة منفصلة عن الأعمال.

تكشف بيانات جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين (ACFE) عن التكلفة المحتملة لهذا الانفصال. ففي تقريرها لعام 2024، الذي استند إلى 1,921 حالة احتيال من 138 دولة وإقليمًا، تجاوز إجمالي الخسائر في الحالات محل الدراسة 3.1 مليار دولار، وبلغ متوسط الخسارة نحو 1.662 مليون دولار للحالة.

وهنا تتضح قيمة GRC الفعلية: في توفير بيئة تسمح بالإبلاغ، وضوابط يصعب تجاوزها، ومؤشرات تصل إلى أصحاب القرار قبل أن تتحول المخاطر إلى خسائر. والأهم أن 43% من الحالات كُشفت عبر البلاغات، في حين ارتبط أكثر من نصفها بغياب الضوابط الداخلية أو بتجاوزها.

لا يقيّم المستثمر نضج الشركة بعدد لجانها أو اكتمال سياساتها، بل بقدرة نموذج تشغيلها على التوسع دون أن تتسع معه مساحة المفاجآت. فالقيمة ليست في أن تبدو الشركة جاهزة، بل في أن يكون لديها نموذج تشغيل يستطيع إنتاج نتائج قابلة للتكرار مع اتساع الأعمال وتغير المخاطر.

لذلك، فإن الاستثمار الأذكى في GRC ليس في إنشاء مزيد من اللجان أو تكديس السياسات، بل في ردم فجوة النضج المؤسسي تدريجيًا: من السياسة إلى الممارسة، ومن الممارسة إلى القياس، ومن القياس إلى الإنذار المبكر، ومن الإنذار إلى قرار أفضل. عندها تصبح الحوكمة جزءًا من نضج نموذج التشغيل وقيمة الشركة، لا حقيبة «سفري» تُفتح عند بوابة المستثمر، ثم تُغلق وتُركَن في الأدراج بمجرد انتهاء الفحص أو الإدراج.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية