أمريكا اللاتينية تقود نحو 44% من نمو إمدادات النفط العالمية حتى 2030 مع إضافة 2.5 مليون برميل يومياً.
فنزويلا تمتلك أكثر من 300 مليار برميل من الاحتياطيات وقد ترفع إنتاجها بنحو 300 إلى 400 ألف برميل يومياً.
توسع قطاع النفط والغاز في أمريكا اللاتينية يواصل اكتساب الزخم رغم التحديات السياسية في بعض الدول.
مشاريع ممرات الغاز والربط الإقليمي بين الدول يمكن أن تزيد الاستهلاك وتدعم نمو التصنيع وتوسع الصادرات فنزويلا تمتلك أكثر من 300 مليار برميل من الاحتياطيات وقد ترفع إنتاجها بنحو 300 إلى 400 ألف برميل يومياً.
الخلاصة
تشهد أمريكا اللاتينية طفرة في إنتاج النفط والغاز، حيث من المتوقع أن تسهم البرازيل وغيانا والأرجنتين وفنزويلا بنحو 44% من نمو إمدادات النفط العالمية بين 2025 و2030، بإضافة 2.5 مليون برميل يومياً. النزاع في الشرق الأوسط يعزز فرص المنطقة كمورد مستقر، مع مشاريع تكامل طاقي تدعم النمو والاستقرار الاقتصادي والسياسي..
من قلب المياه بالغة العمق في حوض سانتوس بالبرازيل إلى الحقول الصخرية القاحلة في باتاغونيا بالأرجنتين، تتنامى طفرة هيدروكربونات جديدة على امتداد أمريكا اللاتينية.
من المتوقع أن يأتي نحو 44% من نمو إمدادات النفط الخام عالمياً بين عامي 2025 و2030 من البرازيل وغيانا والأرجنتين وفنزويلا، بحسب تقديرات شركة "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy).
ستضيف هذه الدول الأربع مجتمعة نحو 2.5 مليون برميل يومياً بحلول نهاية العقد، من إجمالي زيادة عالمية متوقعة تبلغ 5.6 مليون برميل يومياً.
الحرب في الشرق الأوسط تفتح نافذة لنفط أمريكا اللاتينية
يأتي هذا التوسع في واحدة من أشد اللحظات حساسية في سوق النفط. فالنزاع في الشرق الأوسط الذي عطّل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز وألحق أضراراً بالبنية التحتية للغاز الطبيعي، دفع القطاع إلى إعادة النظر في معايير المخاطر والموثوقية وتنويع الإمدادات.
بالنسبة إلى أمريكا اللاتينية، يفتح هذا التحول أبواب فرصة لترسيخ موقعها كمورّد مستقر وغني بالموارد، في منطقة تكاد تخلو من نزاعات كبرى بين الدول، وتتجه تدريجياً نحو سياسات أكثر براغماتية ودعماً لبيئة الأعمال. وإذا ما خرجت المنطقة كأحد المستفيدين من إعادة الاصطفاف الجيوسياسي اليوم، فإن جانباً كبيراً من هذا الثقل الجديد سيستند إلى تنامي نفوذها في قطاع الطاقة.
قالت راديكا بانسال، المحللة لدى "ريستاد إنرجي" إن "أمريكا اللاتينية لا تقدم بديلاً عن الشرق الأوسط، لكنها تخفف بشكل ملموس من مخاطر تركز الإمدادات، من خلال المزج بين بيئات استثمارية مستقرة، ومشروعات واضحة قيد التطوير، وإمكانات موارد قابلة للتوسع"، مشيرة إلى أن هذه العوامل تجعل المنطقة "أحد أهم محركات نمو إمدادات النفط العالمية خلال العقد المقبل".
التكامل في قطاع الطاقة يعزز صعود أميركا اللاتينية
ينبغي للمنطقة أن تغتنم أيضاً هذه اللحظة للدفع قدماً بتكامل قطاع الطاقة، وهي خطوة محورية لتعزيز التجارة البينية، ودعم إعادة تموضع سلاسل الإمداد، وترسيخ الاستقرارين السياسي والاقتصادي.
ومن شأن مشاريع مثل ممر غاز طبيعي قيد التشكل يربط الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، وصعود المكسيك كمركز لإعادة تصدير الغاز الأمريكي إلى الأسواق العالمية، إلى جانب مشروع الربط الإقليمي بين كولومبيا وأمريكا الوسطى والكاريبي الذي طال الحديث عنه، أن يزيد للاستهلاك، ويدعم نمو التصنيع ويوسع الصادرات، وهي كلها قد تحدث تحولاً في مشهد الطاقة.
بلغ القطاع بالفعل محطات متقدمة. فالبرازيل، أكبر منتج للنفط والغاز في المنطقة، أصبحت رائدة عالمية في الإنتاج بالمياه العميقة وفائقة العمق، وتستهدف دخول قائمة أكبر 5 منتجين للنفط الخام بحلول 2030، بدعم من حقول غزيرة مثل "بوزيوس". وبالاشتراك مع غيانا، تهيمن على سوق وحدات الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة، سواء من حيث المنصات العاملة أو المشاريع قيد التطوير.
في المقابل، برزت الأرجنتين كأحد أبرز منتجي النفط الصخري، وتدفع بخطط طموحة للتحول إلى مورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال. وتشير تقديرات إلى أن أمريكا اللاتينية كانت خلال الفترة الأخيرة من أكبر مصادر نمو الإنفاق الرأسمالي الإضافي في مجال الاستكشاف والإنتاج.
زخم الاستكشاف يتسع إقليمياً
قال إيفان ساندريا، الجيولوجي الفنزويلي والرئيس التنفيذي لشركة "ألايز إنرجي" (Alize Energy) المتخصصة في الاستثمارات بالمنطقة "هذه نقطة تحول للمنطقة على صعيد النمو والتكنولوجيا وتطوير الموارد".
وأضاف: "أمريكا اللاتينية تستهدف كل شيء: النفط، والغاز، والغاز المسال، والصخري، والمياه العميقة، والنفط الثقيل، والغاز البحري. أنا متفائل جداً".
يقود ساندريا، انطلاقاً من محفظته الاستثمارية، شركة النفط الناشئة "كاريب إكس" (CaribX)، التي تمتلك ترخيصاً محتملاً للتنقيب البحري في هندوراس، حيث لم تشهد البلاد أنشطة استكشاف تُذكر منذ سبعينيات القرن الماضي. وتعتزم الشركة بدء أعمال المسح الزلزالي خلال العام الجاري. وقال "الأمور بدأت تتحرك".
على امتداد المنطقة، تتبلور فرص واعدة أخرى، من جولة تراخيص مرتقبة في جمهورية الدومينيكان إلى أنشطة بحرية فيال بيرو والأوروغواي، إلى جانب آفاق استكشاف جديدة في مناطق حدودية غير مستغلة.
فنزويلا بين الفرص والتحديات
لكن، ورغم الزخم المتصاعد، لا تزال الحقائق على الأرض متباينة بين دولة وأخرى في المنطقة، ومعرّضة لتقلبات السياسة. فدول مثل المكسيك وكولومبيا والإكوادور تركز بدرجة أكبر على إدارة التراجع الطبيعي للحقول الناضجة، بدلاً من التوسع في الإمدادات.
وتبقى فنزويلا الأكثر حضوراً في مشهد الطاقة، فالدولة العضو في "أوبك" تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم تتجاوز 300 مليار برميل، ما يعادل نحو 17% من الإجمالي العالمي. وتُعدّ من بين أكثر الدول القادرة على الاستفادة من اضطرابات الشرق الأوسط.
أدت الإطاحة بنيكولاس مادورو في وقت سابق من هذا العام، والتحول السياسي المفاجئ في البلاد نحو وضع أقرب إلى وصاية مدعومة من الولايات المتحدة، إلى إعادة فنزويلا إلى دائرة اهتمام كبرى شركات النفط العالمية، بعد عقود من سياسات تأميم الموارد وتآكل المؤسسات.
على المدى القريب، قد يرتفع الإنتاج بنحو 300 ألف إلى 400 ألف برميل يومياً. لكن استدامة هذا النمو ستظل مرهونة بتحقيق الاستقرار السياسي، ووضوح الإطار القانوني، وتوفير شروط مالية تنافسية، إلى جانب عودة الشركات الدولية مثل "كونوكو فيليبس" (ConocoPhillips) و"إكسون موبيل" (ExxonMobil)، عقب تسوية نزاعات التحكيم.
الموارد متوفرة إذاً، لكن ترجمتها إلى زيادات مستدامة في الإنتاج يبقى سؤالاً مفتوحاً على عدة احتمالات.
أمريكا اللاتينية أمام فرصة لا تفوّت
على الطرف الآخر، هناك المكسيك. فبعد عقود تصدرت خلالها إنتاج النفط في أميركا اللاتينية، انتقلت من إصلاحات صديقة للمستثمرين قبل نحو عقد إلى نهج أكثر قومية في ظل حزب "مورينا" الحاكم.
على الرغم من إشارات الرئيسة كلوديا شينباوم إلى انفتاح متجدد على الاستثمار الخاص، بما يشمل شراكات في قطاع الكهرباء وإمكانية إحياء التكسير الهيدروليكي، فإن النزعة التدخلية لحكومتها لا تزال تحدّ من جاذبية البلاد مقارنة بنظرائها في المنطقة.
بالنسبة للمنتجين من القطاع الخاص، تبدو وجهات أخرى في أميركا اللاتينية أكثر إغراءً. كما أن التحولات السياسية المحتملة في كولومبيا، إلى جانب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في البرازيل، قد تعيد رسم سياسات الطاقة في المنطقة.
على المدى القصير، تحول الصراع في الشرق الأوسط إلى عبء متزايد على صناع السياسات، مع صعود أسعار الوقود والأسمدة وتفاقم الضغوط التضخمية. وتلجأ الحكومات إلى احتواء هذه الصدمة الخارجية عبر الدعم وإجراءات مالية أخرى.
على الرغم من أن ذلك قد يسرّع على المدى الطول، التحول نحو الطاقة المتجددة في بعض الأسواق، فإن توسع قطاع النفط والغاز في أمريكا اللاتينية يواصل اكتساب الزخم. إنها فرصة لا تحتمل المنطقة تفويتها.
مدير تحرير بلومبرغ نيوز لشؤون الاقتصاد والحكومة في أمريكا اللاتينية.
خاص بـ "بلومبرغ"
