د. محمد آل عباس
هناك سؤال ملح؟ هل للغة تأثير في النمو الاقتصادي؟ لعل السبب في هذا السؤال هو استمرار الحديث عن العلاقة بين سوق العمل والتحدث باللغة الإنجليزية، وأتذكر نقاشا مع الرئيس التنفيذي لأحد المصانع وهو يبرر ضعف مخرجات التعليم المهني في السعودية، وقد طلبت تحديدا صريحا للمهارات التي تنقص أبناءنا من أجل الفوز برضاه، فقال الإنجليزية، قلت له ولكن إنتاج المصنع لا علاقة له بمهارة إتقان اللغة الإنجليزية، بل بمهارات تقنية أخرى أظنها متوفرة، قال في صلف واضح، لكن العمال هنا أجانب.
نعم هذا ببساطة هو سبب التعلق باللغة الإنجليزية والإلحاح عليها، أن يستطيع أبناؤنا التحدث مع الأجانب في مصانعنا. لا بأس في ذلك – جدلا – لكن هل فعلا هذا الإلحاح على التحدث باللغة الإنجليزية في مصانعنا، والإلحاح على الجامعات أن تجعل كل مخرجاتها باللغة الإنجليزية سيحقق النمو الاقتصادي المنشود ويسهم فيه.
للإجابة عن هذا الادعاء بشكل علمي، فإن الأمر يتطلب بحوثا اقتصادية تحليلية، ولم أجد – فيما أعلم وفيما بحثت – بحثا اقتصاديا حاول قياس أثر اللغة في النمو الاقتصادي في السعودية والعالم العربي، لكن هناك دراسات منذ 2000 في هذه المسألة في دول من العالم. فخلاصة الكلام أن الادعاء بضرورة اللغة الإنجليزية للنمو الاقتصادي في أي بلد (اقتصاد ثنائي اللغة) هو ادعاء ليس دقيقا أبدا، بل يعتمد على النموذج الاقتصادي للدولة وعلى السوق التي تعمل فيها.
موضوع تأثير اللغة في النمو الاقتصادي، بدأ من انتشار مفهوم رأس المال البشري، لقد ظن العالم منذ آدم سميث أن الإنتاج هو حصيلة الاستخدام الأمثل لرأس المال المادي (الأصول بجميع أنواعها) وجهد العمال، وانقسمت الدول بين من لديها رأسمال مادي وليس لديها عدد كاف من العمال، أو العكس، لكن دراسات كل من رومر ولوكاس شولتز وبيكر، في السبعينيات القرن الماضي، أكدت بأن النمو الاقتصادي المستدام لا يتحقق من خلال التفاعل المثمر بين هذين العاملين فقط، بل من خلال التقدم التكنولوجي أيضا الذي يتطلب عمالا أكثر مهارة مع التدريب المستمر على الابتكار وهذا يتطلب تعليما جيدا.
وفي دراسةٍ أجراها البنك الدولي ضمّت عيّنتها أكثر من ستين دولة إضافة إلى أكثر من ستين ألف جهة مختلفة، خلصت إلى أن حاجة الدول النامية إلى تحقيق النمو الاقتصادي تكمن في رفع مستوى المعرفة لأفراد المجتمع لا في مساعدات إنسانية.
لكن أين اللغة في الموضوع، في البدايات ظن العالم أن نقل المعرفة من خلال التدريب لن يتحقق إلا من خلال لغة عالمية وكانت الإنجليزية لأسباب مرحلية في ذلك الحين، فالصناعات المتقدمة والمساعدات التعليمية والتدريبية كانت تأتي من دول لغتها الإنجليزية، وانتشرت البعثات حول العالم للفوز بفرص التعليم والتدريب في أوروبا وأمريكا، لكن ذلك لم يحقق الهدف المنشود للدول، لم تستطع أي دولة سارت في هذا المسار أن تحقق نموا مستداما، إلا دول كانت اللغة الإنجليزية هي لغتها الأم.
وتبين لاحقا في دراسات، مثل كتاب اقتصاديات مكان العمل متعدد اللغات، أن ثنائية اللغة (الإنجليزية والإسبانية) في دولة مثل كندا قد أسهمت في نمو بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن في سويسرا متعددة اللغات وصل إلى 9 و10%، فلم تسهم اللغة الإنجليزية في كندا بنمو أكبر من سويسرا التي كانت الإنجليزية لغة من بين لغات.
لكن المسألة قد تصبح أكثر وضوحا في دراسة أجريت 1999 حول العائد على مستويات مختلفة من إتقان اللغة الألمانية المعيارية والألمانية السويسرية في سويسرا الناطقة بالفرنسية والإيطالية، فلو أن رجلين يعيشان في سويسرا الناطقة بالفرنسية، ولديهما مستويات متقاربة من التعليم والخبرة العملية لكن أحدهما يمتلك مهارات ممتازة في الألمانية بينما الآخر لا يعرف عنها شيئًا، تبين أن من يمتلك مهارات ممتازة في الألمانية سيكسب 23.17% أكثر من الثاني. لماذا الألمانية وليست الفرنسية أو الإيطالية أو الإنجليزية هي التي حققت العائد الأكبر؟ السبب كان واضحا جدا، طلب المصانع الألمانية.
في دراسة أخرى أجريت على عدة دول، (الصين وروسيا والبرازيل والهند) حول استخدام اللغات في الأعمال التجارية وفي المصانع والتفكير الإبداعي، لعله من غير المستغرب أن تظهر الإنجليزية مهمة في الأعمال التجارية، لكن اللغة الأم في كل دولة من تلك الدول أصبحت المهيمنة بشكل صارخ في المصانع وعند التفكير الإبداعي.
والسبب واضح جدا، كما هو واضح في الدراسة السويسرية، عندما تختار الشعوب التفكير الإبداعي والتصنيع فإنها تختار لغتها الأم، وعندما تريد بيع منتجاتها للآخرين فإنها تختار اللغة التي ستبيع بها. كنت أتحدث بهذه النتائج مع أحد الأصدقاء في ندوة مجمع اللغة العربية، عندما قال لي بأن البائعين في المحال التجارية حول الحرمين يتحدثون لغات عدة بحسب المشتري، قلت له هذا اختيار صحيح وطبيعي، وتجده أكثر وضوحا عند أهرام الجيزة.
تبين في دراسة أجريت أخيرا، أنه كلما اُستخدمت اللغة الإنجليزية في العمل التجاري، يتم تشكيل المعنى بطريقة تعطي الأولوية لرؤية العالم والمصالح الاقتصادية والسياسية للمجموعات الناطقة باللغة الإنجليزية من خلال «تجاهل» المعاني البديلة في أنظمة اللغة الأخرى، فمثلا في مشروع مشترك بريطاني إيطالي، «حلت» الكلمات الإنجليزية المتعلقة بالأدوار التنظيمية محل الكلمات الإيطالية وأدت إلى فقدان المعاني والممارسات «الإيطالية».
لهذا فإن مصنعا أو هيئة أو مجالا يتكلم فيه أبناؤنا – بلا سبب وجيه – اللغة الإنجليزية فإن ذلك سيعطي الأولوية لرؤية العالم للمجموعات الناطقة باللغة الإنجليزية، ولن يتحقق التفكير الإبداعي ولا التطوير الإجرائي والتكنولوجي أبدا.
أكاديمي وكاتب اقتصادي
