الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، بقيمته الجارية، أكثر من 3 مرات منذ 2006، من نحو 1.4 تريليون ريال إلى 4.8 تريليون ريال في 2025، وتضاعف معه عدد المستثمرين الأفراد في سوق الأسهم من 2.6 مليون متعامل إلى نحو 6.9 مليون مستثمر. لكن قيمة التداول في سوق الأسهم بلغت نحو 1.3 تريليون ريال في 2025، أي قرابة ربع ما سجلته السوق في 2006، والمؤشر ما زال دون نصف قمته التاريخية. فالحسابات مفتوحة، لكن الأموال غائبة.

فالمشكلة أن الاقتصاد ينمو، والأفراد يفتحون حسابات، لكنهم لا يثقون في السوق بالدرجة المتوقعة. وتفسيرها في تقديري سلوكي لا اقتصادي، وجذوره في فبراير 2006، حين خسرت السوق قرابة ثلثي قيمتها في 10 أشهر بخسائر تُقدَّر بنحو تريليوني ريال، وخسرنا معها ما هو أصعب تعويضاً، وهو ثقة الأفراد.

ولفهم لماذا لم يعودوا بالزخم المطلوب، لا بد من النظر في الطريقة التي دخلوا بها حينها. فقد نمت القروض الاستهلاكية بمتوسط سنوي قارب 53% بين 1999 و2005، حتى بلغت نحو 185 مليار ريال بنهاية 2005، ونمت القروض الشخصية، ومنها تمويل شراء الأسهم، بنحو 76% في 2005 وحدها. ولا نعرف حجم ما ذهب منها إلى الأسهم، لكن تزامن الموجتين لا يمكن تجاهله.

فمن خسر في 10 أشهر مالاً اقترضه بتمويل يمتد سداده 5 سنوات، يبقى ألم خسارته معه طوال سنوات السداد، لصعوبة التعويض وطول المدة. وكانت هيئة السوق المالية حديثة النشأة حينها، فازدهرت المنتديات وغرف المحادثة التي كانت مصدراً للتوصيات والشائعات.

وهذا ما يسميه روبرت شيلر "الوفرة اللاعقلانية"، فالأسعار ترتفع لأن الناس يرون غيرهم يربحون، لا لأن قيمة الشركات تغيرت. ومن هنا كانت سيولة 2006 القياسية مضاربة محمومة في جزء كبير منها، لكن الفجوة اليوم أوسع من أن تفسرها المضاربة وحدها.

ومن دخل بهذه الطريقة خرج بندبة تفسرها أدبيات المالية السلوكية. فقد بيّن كانيمان وتفيرسكي أن ألم الخسارة يقارب ضعف متعة الربح المماثل لها، ومن اشترى عند 20 ألف نقطة يبقى هذا الرقم مرجعه الذهني، فيرى كل مستوى دونه خسارة قائمة. ووجد مالمندير وناغل أن من عاشوا عوائد سوقية سيئة يقل استثمارهم في الأسهم لعقود، لأن الإنسان يتأثر بالصدمة الشخصية تأثراً قوياً، حتى لو قالت البيانات والتحليل العلمي غير ذلك، ولذلك يبني توقعاته من تجربته لا من الجداول التاريخية.

ولم تكن 2006 صدمة واحدة، بل الأولى في سلسلة امتدت من الأزمة العالمية في 2008 إلى انهيار النفط بين 2014 و2016 ثم جائحة كورونا في 2020، وكل صدمة جاءت لتؤكد الدرس الأول لا لتمحوه. فمن دخل في الذروة مضارباً لا مستثمراً، رأى خسارته ولم يرَ ثمرة الصبر قط، ثم جاءت تقلبات السوق بعد 2006 لتؤكد تحيزه؛ وهي تقلبات طبيعية في الأسواق المالية، لكن الفرد لم يعتد عليها.

وجيل 2006، الذي كان حينها في الثلاثينيات وما بعدها، هو اليوم في الـ50 وما فوقها، في ذروة ثروته وقراره الأسري، وكثير منه اتجه إلى النقد والعقار. فقد بلغت قيمة الصفقات العقارية في 2024 نحو 2.5 تريليون ريال وفق البورصة العقارية، متجاوزة قيمة التداول في سوق الأسهم في العام نفسه. ولم يكن اختيار العقار مصادفة، فميزته الأعمق نفسية حيث لا شاشة تعرض سعره كل ثانية، فلا يرى صاحبه خسارته حتى لو وقعت، أما السهم فيُذكّره بها كل يوم. ويبقى توجه جيل 2006 تحديداً إلى العقار فرضية لا تؤكدها بيانات منشورة.

وقد يُعترض بأن الأسواق تتعافى مهما طال الزمن، والسوق الأمريكية شاهدة على ذلك. لكن الشاهد نفسه يؤيد ما نقول. فوفق مؤسسة غالوب الأمريكية لاستطلاعات الرأي، بلغت ملكية الأمريكيين للأسهم 62% بين 2001 و2008، ثم هبطت بعد أزمة 2008 إلى 52%، ولم تعد فوق 60% إلا في 2023، وكانت الندبة أعمق لدى الشباب بين 18 و29 عاماً، إذ تراجعت نسبة المالكين منهم من متوسط 42% قبل الأزمة إلى 31% بعدها. أي أن الثقة احتاجت نحو 15عاماً لتتعافى، مع أن الأسعار تعافت قبل ذلك بكثير.

والسبب وراء هذا التعافي أنها تعافت بأموال غير الأفراد، مثل أموال التقاعد التي تُقتطع من الرواتب تلقائياً، والمؤسسات التي تشتري وفق سياسات طويلة الأجل وعلى دفعات. أما سوقنا فتروى القصة معكوسة، فمن تأثر بانهيار 2006 ينظر إلى المؤشر وفي ذهنه مستويات 2006، فلا يرى فيه تعافياً من وجهة نظره، ويؤكد له ذلك تحيزه وخوفه، فيظن أنه على حق وإن كان مخطئاً.

فإذا كانت المشكلة سلوكية، فهل يكفي إصلاح التنظيم؟

من الإنصاف القول إن هيئة السوق المالية بنت منظومة متكاملة من الحوكمة والإفصاح، وصارت تنشر قرارات المخالفات وتلاحق التوصيات غير المرخصة، وأصبحت السوق جزءاً من مؤشرات الأسواق الناشئة. فالسوق اليوم أكثر أماناً من 2006 بمراحل. لكن الأمان شرط ضروري للثقة لا كافٍ، فالتنظيم يبني الأمان، أما الثقة فتبنيها التجربة.

والعلاج المقترح إذن لا يُستنسخ جاهزاً من أسواق أخرى، بل يُبنى على بيانات المستثمر السعودي نفسه، وهو في أمرين: أن نقيس الثقة بدل افتراضها، وأن نبني التجربة التي تستعيدها. فأما القياس فيحتاج 3 أدوات:

أولاً، مؤشر دوري لثقة المستثمر الفرد، يرصد المشاركة والنوايا حسب الفئات العمرية، على غرار غالوب.

ثانياً، نشر بيانات الملكية حسب العمر، فالبيانات المنشورة اليوم تُظهرها حسب الجنسية وحجم المحفظة، ولا تجيب عن السؤال الأهم: هل عاد جيل 2006 بالقيمة المتوقعة إلى السوق أم لا؟

ثالثاً، قياس أثر المبادرات والقرارات التنظيمية على السلوك الفعلي قبل تطبيقها بمحاكاة استجابة المستثمرين، وبعده بتتبع تغير سلوكهم، لا بعدد المشاركين في برامج التوعية.

وأما بناء التجربة فيحتاج أمرين:

الاول، ثقافة الصبر على الاستثمار. فالجرح جاء من المضاربة، والعلاج أن يُفهم السهم على أنه حصة في شركة قائمة لا ورقة للمضاربة. فلا أحد يفتح محلاً تجارياً وينتظر أرباحه في أسبوع، بل يصبر على البناء سنوات قبل أن يجني الثمرة، والسهم يحتاج الصبر ذاته. وهذه ثقافة لا تبنيها حملة عابرة، بل خطاب متواصل يقدّم المستثمر الصبور نموذجاً بدلاً من المضارب الذي ربح في أسبوع.

الثاني، تشجيع الاستثمار المؤسسي طويل الأجل، بما فيه استثمار الجهات الحكومية ذات الفوائض عبر صناديق مرخصة وعلى دفعات. فالمستثمر المؤسسي الصبور يخفف التقلب، ويمنح السوق ما افتقدته منذ 2006 وينتج سجلاً من العوائد المستقرة يراه الفرد فيعود عن قناعة، لا عن ندم.

لا يمكن علاج ثقة لا نقيسها. فقد تتعافى الأسواق في سنوات، أما الثقة فأبطأ وأعمق. والسؤال اليوم لم يعد عن مدى أمان السوق، بل عن قدرتها على إقناع من خسر فيها يوماً بأن يعود.

باحث في المالية والاقتصاد

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية