لا تُعَدّ الإعاقة الحركية وحدها ما يحدّد قدرة الإنسان على الحركة وممارسة حياته، فللبيئة المحيطة تأثير كبير في تيسير الحركة والتنقل، أو في إضافة عوائق تحدّ من استقلاليته وحريته. وحين تُهيّأ البيئتان الداخلية والخارجية، تصبح ممارسة أنشطة الحياة الطبيعية أكثر سهولة وحرية.
قصة ملهمة
في إحدى زياراتي إلى دولة أوروبية، شاهدت رجلًا وامرأة من ذوي الإعاقة الحركية يتجولان في مكان عام بمرح وحيوية، وكانا يتحكمان في وسيلة تنقلهما باستخدام الفم فقط. بقي المشهد في ذهني، فقد كانا يمارسان حياتهما ويتنقلان باستقلالية وراحة.
يجسّد هذا المشهد أهمية التخطيط والتهيئة، بدءًا من المنزل وصولًا إلى الأماكن العامة، بما يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة الوصول والتنقل واستخدام المرافق بسهولة. وهنا يبرز السؤال: متى نهيّئ بيئاتنا ونحرّرها من العوائق، ليتمتعوا بحرية الحركة وجودة الحياة؟
من المنزل تبدأ جودة الحياة
حين يجد الشخص ذو الإعاقة في منزله بيئةً مهيّأة تمنحه الراحة والاستقلالية في تفاصيل يومه، تنطلق رغبته إلى ما هو أبعد من جدرانه، إلى قضاء احتياجاته، وزيارة المرافق الصحية والترفيهية، والمشاركة في الحياة من حوله.
دور المصمم في تيسير الحياة
من خلال خبرتي التي تمتد لأكثر من 20 عامًا في تصميم المستشفيات، يفترض فهم احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة والتي تتطلب النظر إلى طبيعة الإعاقة وأثرها في الحركة واستخدام الفراغ. فالاحتياجات تختلف من شخص إلى آخر، ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع.
ويبدأ دور المصمم بدراسة الفراغات ومسارات الحركة، وقياس الممرات، وتوزيع الأثاث بما يضمن سهولة التنقل، إلى جانب وضع مفاتيح الإنارة والتجهيزات في أماكن يسهل الوصول إليها. كما تشمل التهيئة دورات المياه، واختيار الأرضيات المناسبة، وتوفير المنحدرات عند اختلاف المناسيب، ومعالجة العوائق التي قد تحول دون الوصول إلى المرافق واستخدامها.
ولا تقتصر هذه الاعتبارات على المستشفيات؛ فهي ضرورية في المنازل والمرافق العامة، ومنها المراكز التعليمية والثقافية والتجارية والترفيهية. فالمداخل والمسارات والمرافق الميسّرة تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على الوصول والتنقل واستخدام المكان باستقلالية وراحة.
إن إدماج متطلبات الوصول والحركة في مراحل التخطيط والتصميم يجعل البيئة أكثر قابلية للاستخدام من قبل فئات متعددة، ومنها الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن والأطفال. كما أن الاستماع إلى تجارب الأشخاص ذوي الإعاقة وإشراكهم في تقييم الأماكن يساعد على تحديد العوائق الفعلية واختيار حلول أكثر ملاءمة.
خاتمة
إن الاستثمار في تهيئة المكان للأشخاص ذوي الإعاقة هو استثمار وطني يترجم ما كفلته أنظمة السعودية من حقوق، ويجسّد اهتمام رؤية السعودية 2030 بجودة الحياة؛ إذ يسهم في تعزيز استقلاليتهم ومشاركتهم، وتهيئة بيئات تتيح لهم الإسهام في تنمية المجتمع.
