الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

تكشف أرقام تمويل الطاقة أن التحول الطاقي أكثر تعقيدًا من الخطابات المعلنة. فبينما تواصل المؤسسات المالية الحديث عن الحياد الصفري وتمويل التقنيات النظيفة، لا تزال مصادر الطاقة التقليدية حاضرة في قرارات التمويل العالمية، بوصفها جزءًا من معادلة أمن الطاقة واستقرار الإمدادات. وهذا لا يعني بالضرورة أن التحول المناخي تعثر، بل يعني أن الانتقال إلى اقتصاد أقل انبعاثًا لا يمكن أن يحدث بالتعهدات وحدها، ولا بمعزل عن احتياجات الأسواق والصناعة والتكنولوجيا.

ويُظهر تقرير Banking on Climate Chaos 2026 أن أكبر 65 مؤسسة مصرفية عالمية رفعت تمويلها لشركات النفط والغاز والفحم إلى نحو 906 مليارات دولار في  2025. هذا الرقم لا يطرح سؤالًا عن البنوك وحدها، بل عن قدرة الاقتصاد العالمي على تحويل الأهداف المناخية إلى قرارات مالية قابلة للتنفيذ. فالمشكلة ليست في غياب الطموح، بل في الفجوة بين الالتزامات المعلنة والقدرة الاقتصادية والتقنية على تطبيقها بالسرعة المطلوبة.

فالطاقة ليست قطاعًا يمكن تغييره بقرار سريع. هي أساس الصناعة، والنقل، والتجارة، والتقنية، وسلاسل الإمداد. لذلك لا يمكن اختزال التحول الطاقي في استبدال مصدر طاقة بآخر، بل هو إعادة بناء لمنظومة كاملة تشمل الشبكات، والتخزين، والبنية التحتية، والتشريعات، وحوافز الاستثمار. ومن دون هذه المنظومة، تبقى التعهدات المناخية قادرة على تحديد الاتجاه، لكنها لا تضمن وحدها استقرار الأسعار أو موثوقية الإمدادات أو جاهزية الأسواق.

وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع ارتفاع الطلب على الكهرباء، خاصة مع توسع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي. فهذه القطاعات تحتاج إلى طاقة مستقرة وتبريد مستمر، في وقت لا تزال فيه بعض الأسواق غير قادرة على الاعتماد الكامل والسريع على الطاقة المتجددة وحدها. لذلك يبرز الغاز في عدد من الأسواق بوصفه مصدرًا مرنًا يدعم استقرار الإمدادات خلال مرحلة انتقالية لم تكتمل فيها بعد حلول التخزين والربط والطاقة النظيفة.

ولا يمكن فصل ذلك عن اعتبارات أمن الطاقة. فالتوترات الجيوسياسية، واضطرابات الإمداد، وتقلب الأسعار، تدفع الحكومات والمؤسسات المالية إلى تبني مقاربة أكثر حذرًا تجاه التحول. ففي أوقات الاستقرار يتقدم الخطاب المناخي، أما عند الأزمات فتعود موثوقية الإمدادات إلى صدارة القرار. وهنا لا تُقرأ مصادر الطاقة التقليدية من زاوية الانبعاثات فقط، بل من زاوية دورها في الاستقرار الاقتصادي والأمن الصناعي العالمي.

لكن الواقعية لا تعني أن كل أشكال التمويل متساوية. فهناك فرق بين تمويل يساعد على ضمان الإمدادات خلال مرحلة انتقالية، وتمويل لا يرتبط بأي مسار واضح لرفع الكفاءة أو خفض الانبعاثات أو دعم التقنيات الأقل أثرًا. الأول يمكن فهمه ضمن منطق التحول المنظم، أما الثاني فيطرح سؤالًا مهمًا حول كيفية جعل الالتزامات المناخية أكثر تأثيرًا في قرارات الاستثمار والتمويل.

من هنا، لا ينبغي صياغة النقاش على أنه صراع بين المناخ والطاقة التقليدية، أو بين الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها. المسألة الأهم هي إعادة تعريف قيمة الطاقة في المرحلة المقبلة. فالمصادر والشركات والدول التي تستطيع الجمع بين موثوقية الإمدادات، وخفض الانبعاثات، ورفع الكفاءة، والاستثمار في التقنيات النظيفة، ستكون أكثر قدرة على الحفاظ على موقعها في اقتصاد الطاقة الجديد.

وهنا يبرز البعد القانوني والحوكمي في التحول الطاقي، لا بوصفه أداة للحد من التمويل، بل لتنظيم اتجاهه ورفع كفاءته. فالتعهدات المناخية لا تكتسب قيمتها من إعلانها فقط، بل من قدرتها على التحول إلى معايير عملية تساعد على توجيه رأس المال نحو مشاريع أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا، مع الحفاظ على موثوقية الإمدادات.

وبهذا المعنى، لا يكون التمويل في مواجهة أمن الطاقة، بل جزءًا من إدارة مرحلة انتقالية تحتاج إلى وضوح في الأهداف، وتدرج في التنفيذ، وربط أفضل بين الاستثمار والتقنية وخفض الانبعاثات.

كما أن هذا التحول لا يمكن أن يُقرأ من زاوية البنوك وحدها. فالطلب العالمي على الطاقة يتأثر بالنمو الصناعي، وتوسع الاقتصاد الرقمي، واحتياجات النقل والتجارة، ومتطلبات التنمية في الأسواق المختلفة. لذلك فإن نجاح التحول الطاقي يعتمد على قدرة السياسات والأسواق والمؤسسات المالية وقطاع الطاقة على العمل ضمن مسار واحد، يوازن بين استقرار الإمدادات وتسريع الاستثمار في الحلول الأقل انبعاثًا. فالمطلوب ليس تقليل دور الطاقة التقليدية بصورة مفاجئة، بل تطوير طريقة تمويلها وتشغيلها بما يجعلها أكثر توافقًا مع اقتصاد عالمي يتجه تدريجيًا نحو خفض الانبعاثات.

في النهاية، لا ينبغي قراءة استمرار تمويل مصادر الطاقة التقليدية بوصفه دليلًا مباشرًا على فشل التحول الطاقي، ولا بوصفه مبررًا لإبقاء التمويل خارج أي شروط. الأهم هو الانتقال من سؤال: هل يستمر التمويل أم يتوقف؟ إلى سؤال أدق: كيف يُوجَّه هذا التمويل؟ فحين يرتبط تمويل الطاقة التقليدية بخفض الانبعاثات، ورفع الكفاءة، وتطوير التقنيات الأقل أثرًا، يصبح جزءًا من تحول منظم لا يتجاهل احتياجات الطاقة الحالية ولا يؤجل مسؤولية المستقبل.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين أمن الإمدادات وحماية المناخ، بل بناء معادلة تجعل الاثنين جزءًا من سياسة واحدة. فالأسواق تحتاج إلى طاقة موثوقة، والمناخ يحتاج إلى مسار جاد لخفض الانبعاثات، والتمويل هو الأداة التي يمكن أن تقرّب بين الهدفين إذا ارتبط بمعايير واضحة وقابلة للتنفيذ. عندها لا يكون التحول الطاقي شعارًا معلنًا، بل مسارًا اقتصاديًا واقعيًا يعيد توجيه رأس المال نحو طاقة أكثر استقرارًا وأقل انبعاثًا.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية