الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في عصر تتآكل فيه مبادئ التجارة الحرة، وتستخدم سلاسل التوريد الحيوية كأوراق مساومة، ويقيد فيه حركة ونوعية رأس المال، فمن المهم البحث عن مرادفات مثل التوطين والإحلال والتكامل الإقليمي. فما تبقى من مبادئ السوق الحرة وتشابك الاقتصادات بات جزء من الماضي، وأن كان التكامل الرأسي خصص للشركات التي تريد امتلاك سلاسل توريدها، فأنه اليوم يمكن أن يتحول إلى مسار لتكامل رأسي إقليمي يستفيد من قدرات طبيعية وبشرية وجغرافية فريدة.

في منطقتنا لم تدع التوترات الجيوسياسية اضطراباً اقتصادياً ولا تجارياً إلا وأحدثته، سواء توترات في المنطقة أو خارجها مثل الأزمة الأوكرانية. من تعطيل ممرات الملاحة الدولية وارتفاع أسعار السلع وانخفاض تدفقات الاستثمار وتعطيل قطارات الإنتاج. ومن هنا تحولت سياسات مثل تعظيم القيمة المضافة من الموارد الطبيعية وتوطين صناعات إستراتيجية هدف أساسي لصانعي السياسات في المنطقة، ولكن الواقع أكثر صعوبة دون رؤية إقليمية شاملة تقوم على مبدأ التكامل.

تتآكل العولمة بوتيرة سريعة، فالحديث عن حرية التجارة بات نادر في ظل سياسات الحمائية والرسوم الجمركية، وحركة رأس المال أصبحت أكثر تقييداً وتشرذم سلاسل التوريد يغلب تكاملها. وقد تكون هذه فرصة نحو عولمة إقليمية شرق أوسطية، فوحدة الجغرافيا والتاريخ والثقافة تستطيع أن تصنع منظومة تحقق ازدهار يتشاركه الجميع، يجعلها تضاهي تجربة الاتحاد الأوروبي. بالاعتماد على تكامل القدرات والإمكانات، منظومة تتشارك العوائد وتتقاسم المخاطر وتعظم من مواردها سواء مالية أو بشرية أو معرفية.

تتنوع القطاعات التي تستطيع المنطقة أن تحقق فيها التكامل، من الطاقة، حيث محطات المرور البديلة التي تتجاوز عقبات الملاحة في الممرات الدولية، إلى مراكز التخزين على سواحل دول المنطقة لتكون مصادر إمداد بديلة في حالات الطوارئ، وليس أخراً بالاستثمارات المشتركة في بناء منظومة متكاملة للطاقة عن طريق الربط الكهربائي وتعزيز الاستفادة من مصادر الطاقة النظيفة. 

الزراعة تشكل محورا رئيسيا لتكامل إقليمي، فهناك موارد من أرض خصبة ومياه وثروة بشرية، وعلى جانب أخر هناك رأسمال جاهز للاستثمار والتنمية، هذا التكامل في الأنشطة الزراعية كفيل بتلبية احتياجات دول المنطقة من الغذاء وتوفير عشرات المليارات من الواردات سنوياً وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل وتعزيز مستويات الدخل.

نرى اليوم ما يشهده قطاع الشحن من اضطرابات وارتفاع غير مسبوق في التكاليف وانعكاسها على التضخم والأسعار. وذلك يجعل التجارة واحدة من أهم محاور التكامل عن طريق فتح الأسواق أو بناء اتحاد جمركي وتعزيز الاستثمار في مناطق التجارة الحرة والموانئ، بما يسهم ليس فقط في تعزيز التجارة بين دول المنطقة، إنما تحويلها إلى مركز للتصدير إلى الأسواق المختلفة من أوروبا وآسيا وإفريقيا.

من التجارة للسياحة تتعاظم إمكانات التكامل، فإجراءات مثل التأشيرات وترابط البنية التحتية قادرة على خلق قطاع سياحي متشابك في المنطقة يوفر الوظائف ويعزز عوائد الحكومات والشركات في دول المنطقة. هناك أيضا قطاعات ذات أولوية مثل الصناعة والخدمات المالية والرقمية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة.

لا يقتصر التكامل على المحاور المادية، ولكن من المهم أن ينتقل إلى تبادل المعرفة وتعزيز المهارات البشرية. عن طريق تعزيز الاستثمار المشترك في مراكز البحث والتطوير للصناعات الحيوية، وتبادل الخبرات بين مؤسسات التعليم، والتطوير المشترك للمناهج الدراسية، وإجراءات لتسهيل نقل الكفاءات، بجانب إطلاق منصات رقمية مشتركة تكون مركز لتبادل الأبحاث العلمية، تعمل بمنزلة مراكز للتعليم المفتوح.

في الختام فقد بات العالم أقرب للإقليمية منه للعالمية في ظل صدمات التجارة والجيوسياسة. وفي منطقة الشرق الأوسط فقد أصبحنا مؤهلين لبناء عولمة إقليمية ومسار تشاركي يتقاسم العوائد ويتحمل المخاطر. هذا التكامل سيعمل لتحقيق أولويات ضرورية للحكومات، فالتوطين لن يتحقق على أرض الواقع دون شركاء حقيقيون يوفرون الإمدادات، وإحلال الواردات ليس بمعزل عن استغلال أمثل لموارد طبيعية وبشرية متاحة، وضمان سلاسل التوريد سيكون أسهل في ظل جغرافيا مترابطة تتجاوز اضطرابات الشحن وتنافس القوي الكبرى.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية