د. مسفر بن جارالله
قبل أيام، تقدمت بطلب تمويل من أحد البنوك المحلية، وكنت أتصور أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا، لكنني فوجئت بعد 15 دقيقة فقط بوصول رسالة إلى جوالي بالموافقة على الطلب. وليس الغريب هنا ما وصلت إليه الخدمات المصرفية والإلكترونية في بلادنا من تطور، وإنما أنني وجدت نفسي أفكر في أمر أبعد بكثير من سرعة إنجاز معاملة مصرفية: كيف لمؤسسة مالية، وغيرها من المؤسسات، أن تواصل أعمالها بهذه الكفاءة والاعتيادية، رغم ما تمر به منطقتنا من ظروف استثنائية، وفي وقت تتعرض فيه بلادنا لهجمات إرهابية يائسة تستهدف أمنها ومنشآتها المدنية؟
ولعل المفارقة أن الهاتف الذي وصلتني عليه رسالة الموافقة على التمويل، هو نفسه الذي تصل إليه الرسائل التحذيرية عند وجود خطر أمني محتمل. رسالتان مختلفتان تمامًا؛ إحداهما تعكس استمرار الحياة الاقتصادية، والأخرى تذكرنا بالظروف الاستثنائية التي نعيشها.
وبين الرسالتين مشهد يستحق التأمل؛ فمن جهة، علينا أن نأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، وأن نلتزم بتعليمات الجهات المختصة، ومن جهة أخرى، لا بد أن يواصل الناس أعمالهم، والأسواق نشاطها، والمؤسسات خدماتها، دون أن تتحول هذه التهديدات إلى حالة من الهلع تعطل الحياة اليومية.
وما يستوقفني في هذا المشهد هو البون الشاسع بين ما نعيشه على أرض الواقع وما نشاهده في بعض وسائل التواصل الاجتماعي. فمن يتصفح هذه المنصات يجد قدرًا كبيرًا من الإرجاف والتهويل، حتى ليُخيّل لمن يتابع الأحداث من خارج المملكة أن الحياة الاقتصادية قد تعطلت، وأن الناس يعيشون حالة من الخوف والاضطراب. لكن الواقع الذي نلمسه مختلف عن هذه الصورة؛ فالأسواق تواصل نشاطها، والخدمات متاحة، والناس يمارسون حياتهم بصورة اعتيادية.
وفي ذلك تذكير بأن الصورة التي تصنعها بعض الأخبار والتعليقات لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري على الأرض. وليس المقصود هنا التقليل من خطورة الأحداث، وإنما التأمل في قدرة مجتمعنا ومؤسساتنا على التعامل مع التحديات بقدر كبير من الوعي والمرونة.
ولم تأتِ هذه القدرة من فراغ. فما اعتدناه اليوم من انتظام المعاملات المصرفية، واستمرار الخدمات، وتوافر السلع دون اضطرابات واسعة في الأسواق، تقف خلفه عقود من بناء المؤسسات، وتطوير الأنظمة والبنية التحتية، وتأهيل الكوادر البشرية. ولعل الأيام والشهور تمر علينا دون أن نلتفت إلى سرعة إنجاز هذه المعاملات أو انتظام تلك الخدمات، لأنها أصبحت جزءًا من روتين حياتنا. لكن الأزمات تكشف ما وراء هذه التفاصيل، وتذكرنا بأن ما نعده أمرًا اعتياديًا في أوقات الرخاء والاستقرار يصبح بالغ الأهمية حين تشتد الظروف.
غير أن أهمية المؤسسات لا تظهر في قدرتها على مواصلة أعمالها فحسب، بل أيضًا في استعدادها لما هو قادم، واستشعارها للمتغيرات الاقتصادية وآثارها على مختلف فئات المجتمع وقطاعاته. وفي هذا السياق، جاء التوجيه الملكي بزيادة البدل الشهري بمقدار 500 ريال للفئات المشمولة، ضمن إجراءات لدعم المواطنين بالتزامن مع تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه مطلع 2027.
وقد استوقفني في هذه الإجراءات أمران؛ أولهما توقيت الإعلان عنها قبل تطبيق التعريفات الجديدة، بما يتيح وقتًا للاستعداد والتكيف مع التغيرات المرتقبة. أما الثاني، فهو أن الإجراءات لم تقتصر على جانب الدعم المباشر للفئات المشمولة، بل تضمنت أيضًا ترتيبات تتعلق بالقطاع الخاص والتدرج في تطبيق بعض المتطلبات، بما يمنح المنشآت فرصة للتخطيط والتكيف.
وهذه نقطة مهمة؛ فالإصلاح الاقتصادي لا يُقاس بأهدافه وحدها، وإنما كذلك بكيفية تنفيذه، ومدى مراعاة انعكاساته على الأسر والشركات. فالاستعداد للمتغيرات المقبلة لا يقل أهمية عن القدرة على التعامل مع الأزمات القائمة.
ومن المهم التأكيد هنا أن متانة الاقتصاد ومرونة المجتمع لا تعنيان أن بلادنا بمنأى عن آثار الأحداث التي تشهدها المنطقة. ففي أوقات الأزمات، قد ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتتأثر حركة التجارة والأسواق، وتنعكس هذه التطورات على النشاط الاقتصادي مهما بلغت قوته. لكن ما يصنع الفارق هو وجود مؤسسات قادرة على الاستجابة لهذه التحديات والحد من آثارها. ولا شك أن هذه القدرة لا تُبنى عند وقوع الأزمة، ولا تتحقق بقرار عابر، وإنما هي حصيلة ما استثمرته الدولة خلال سنوات الاستقرار من تخطيط وتطوير واستعداد.
وأعود إلى تلك الرسالة التي وصلتني بعد 15 دقيقة. ربما كانت بالنسبة إلى البنك مجرد إشعار اعتيادي بالموافقة على طلب تمويل، لكنها جاءت في توقيت جعلني أتأمل ما اعتدنا عليه حتى أصبحنا لا نلتفت إليه. فخلف هذه المعاملة البسيطة، وغيرها من تفاصيل حياتنا اليومية، منظومة من المؤسسات التي بُنيت وتطورت على مدى سنوات طويلة، وأسهمت في أن نواصل أعمالنا وحياتنا رغم صعوبة الظروف المحيطة بنا.
ولعل هذا ما تكشفه الأزمات أكثر من غيرها وهو أن قيمة ما تبنيه الدول في سنوات الاستقرار لا تظهر كاملة إلا حين تشتد الظروف، وأن ما اعتدناه من انتظام الحياة وكفاءة الخدمات ليس أمرًا بسيطًا، بل إنجازًا يستحق أن نتوقف عنده.
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
