في منتصف الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1984 - 1988 انتقل الصراع بين الدولتين إلى البحر حيث تحول الاستهداف من الأهداف العسكرية إلى ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي. عرفت هذه الحرب بحرب الناقلات حيث كان هدف كل دولة هو الضغط على الدولة الأخرى اقتصاديا عن طريق خنق الصادرات النفطية . كانت النتيجة الواقعية لتلك الحرب ارتفاع كبير للتأمين البحري وتكاليف الشحن وتحويل كثير من شركات الشحن مساراتها وتأثر حركة الملاحة وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط وزيادة تقلبها.
اليوم يعود مشهد التوترات الجيوساسية مرة أخرى في نفس الجغرافيا ولكن بملامح مختلفة وبخطورة أعلى. ولعل الأنظار تتجه بشكل خاص إلى مضيق هرمز الذي يعتبر الأهم عالميا من حيث تأثيره في الطاقة حيث يمر من خلال هذا المضيق وحده نحو 20% من النفط المتداول عالميا.
كما يمر من خلاله كميات ضخمة من الغاز المسال الذي يتم شحنه إلى أسواق آسيا وآوروبا ما يؤهله أن يكون شريان العالم الاقتصادي. ولأجل ذلك يكون هذا الشريان شديد الحساسية لأي اضطرابات تحدث في المياه الخليج العربي. وأي تحركات عىسكرية يصاحبها تحركات في أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم.
ومع تصاعد التوترات الي نشاهدها حاليا في الخليج العربي والاستهدافات الإيرانية السافرة على مواقع مختلفة في دول الخليج العربي يتصاعد عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية حيث بدأت أسواق الطاقة تستشعر الخطر والأزمة المحتملة وتترجمها إلى صعود في الأسعار على الرغم من أن الإمدادت ما زالت مستقرة وغير متوقفة بالكامل فالمشكلة هنا ليست مشكلة "إمدادت" بقدر ما هي " خوف" من الأسوأ. والمراقب للأسواق قبل الأحداث الأخيرة يرى أنها كانت عند معدل 70 دولارا للبرميل لخام برنت بينما ارتفعت الأسعار في الوقت الحالي ما يعادل 45% وصعدت الأسعار إلى مستوى 102 دولار للبرميل .
في التزامن مع ذلك ارتفعت تكلفة التأمين وزادت شركات الشحن من حذرها وبعضها أعاد مساراته مع تصاعد المخاوف حول الملاحة الدولية للخليج. ومن المهم إضافته هنا أن التأثير لا يقتصر على النفط بل يمتد إلى الغاز الطبيعي المسال خصوصا إذا علمنا أن دول الخليج وفي مقدمتها دولة قطر من كبار المصدرين عالميا للغاز المسال.
وتذكر بعض المصادر توقف شركة قطر للطاقة عن إنتاج الغاز المسال بسبب استهدافات طالت منشآت الشركة وبنيتها التحتية. كل ذلك سيشكل ضغوطا وارتفاع تكلفة الكهرباء في دول آوروبية وآسيوية.
من الناحية الاقتصادية لا تبدو التغييرات المتسارعة في مصلحة أحد، فمن ناحية الدول المصدرة زيادة الأسعار قد تأتي بزيادة في الإيرادات على المدى القريب ولكنها تأتي معها بمخاطر أمنية واستثمارية. ومن جهة الدول المستوردة ففاتورة الطاقة سترتفع ما يبطئ النمو الاقتصادي ويزيد التضخم وخصوصا إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
ومن وجهة نظري هناك 3 سيناريوهات محتلمة، السيناريو الأول وهو السيناريو المؤمل والمحتمل هو انحسار هذه التوترات واحتواءها يعقبها عودة تدريجية وحذرة للملاحة والأسواق معا .. وقد تعود الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة وإن كان بحذر.
السيناريو الثاني قد تستمر التوترات على ما هي عليه دون إغلاق كامل للمضيق وإن كان حاليا شبه مغلق عمليا. وفي ظل هذا السيناريو تستمر الأسعار على ارتفاعها، كما نتوقع أن تكون شديدة التقلب في نطاقات عالية نسيبا خاصة عند أي حدث أمني أو خبر عسكري جديد.
السيناريو الثالث وهو الأقل احتمالا والأعظم أثرا إذا حدث .. فهو إغلاق فعلي لمضيق هرمز وتعطل كبير في حركة الملاحة وفي هذه الحالة من المتوقع أن ترتفع الأسعار إلى مستويات حادة و تاريخية لم تصلها من قبل مع انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمي و مستويات التضخم
في النهاية حرب الناقلات أثبتت أن مياه الخليج العربي ممكن أن تتحول إلى ساحة صراع دون إغلاق كامل ولكن بتكلفة اقتصادية وأمنية كبيرة ليس على دول المنطقة فحسب بل على جميع دول العالم. ولا شك أن هذه الأحداث هي اختبار حقيقي للاقتصاد العالمي وصلابته خلال الفترات المقبلة. وبين مراقبة القبطان لشاشات الردار في مياه الخليج العربي ومراقبة المهتمين في الأسواق لشاشات الأسعار يبقى السؤال الحاسم: إلى أين يتجه مسار الأحداث؟
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
