أندرياس كلوث
@andreaskluth
اتخذت أمريكا أفضل قراراتها حين وظفت قوتها الهائلة لبناء نظام دولي فعال
مراحل الانغلاق على الذات والعدوانية مع العالم صنعت تاريخاً سلبياً للولايات المتحدة وزرعت الفوضى والبؤس على الصعيد الدولي
الخلاصة
قدم جيمس ليندسي قائمتين لأفضل وأسوأ 10 قرارات في السياسة الخارجية الأمريكية خلال 250 عاماً، مستبعداً فترة رئاسة ترمب الثانية. أبرزت القوائم أهمية التحالفات والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ونظام بريتون وودز، وأشارت إلى أن أفضل القرارات كانت متعددة الأطراف، بينما أسوأها شملت غزو العراق ورفض معاهدة فرساي. كما انتقدت سياسات ترمب العدائية وانسحابه من الاتفاقيات الدولية.
قال جيمس ليندسي، من مجلس العلاقات الخارجية، إن القوائم "دعوة للحوار". لذا، أعدّ قائمتين، إحداهما لأفضل 10 قرارات في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى 250 عاماً مضت والأخرى لأسوأ 10 قرارات. وقد استُبعدت عن قصد الفترة الحالية - أي رئاسة دونالد ترمب الثانية. ومع ذلك، كيف يمكن لأي نقاش حول هاتين القائمتين أن يتجاهل ما يفعله ترمب بالعالم، وبدور أمريكا فيه؟
تعود القوائم إلى استطلاعات رأي من 2023، أي خلال الإدارة السابقة. أولاً، وضعت لجنة استشارية تابعة لجمعية مؤرخي العلاقات الخارجية الأمريكية، وهي هيئة مرموقة في هذا المجال، قائمة شاملة تضم 120 قراراً مهماً في السياسة الخارجية اتخذت بين الثورة الأمريكية وفترة رئاسة ترمب الأولى. ثم طلب من مؤرخي الجمعية ترتيب أفضل 10 قرارات وأسوأ 10 قرارات.
يميل كثير من المؤرخين، هواة كانوا أم محترفين، إلى الشعور براحة أكبر كلما تعمقوا في دراسة التاريخ القديم. (على سبيل المثال، وجدت دروس حياتي في قرطاج وروما القديمتين). لذا، ليس مستغرباً، على سبيل المثال، أن يحتل أقدم تحالف لأمريكا - مع فرنسا، والذي يعود تاريخه إلى 1778 - المرتبة الثالثة في قائمة الـ10 (لولا هذا التحالف، لما استمرت الولايات المتحدة على الأرجح طويلاً).
أو أن قانون إبعاد الهنود 1830 والطرد القسري لقبيلة تشيروكي 1838 يحتلان المرتبتين الثالثة والسادسة على التوالي بين أسوأ القرارات. (تعتبر هذه القرارات سياسة خارجية لأن القبائل الأصلية كانت دولاً ذات سيادة).
حتى هذه الأحداث البعيدة يمكن أن تقدم لنا دروسا قيمة اليوم - على سبيل المثال، أهمية التحالفات، أو أن الغزو الذي يشبه الإبادة الجماعية ليس فكرة جيدة أبدا، سواء في الغرب الأمريكي أو في أوكرانيا. لكن الحوارات التي يسعى ليندسي إلى إثارتها تكتسب أهمية أكبر في عصرنا الحالي، ولا سيما مع حداثة الأحداث المذكورة، حين لم تعد أمريكا مجرد جزءٍ هامشي من العالم الجديد، بل أصبحت القوة المهيمنة على العالم أجمع.
في رأيي، يبرز نمطٌ واضح: اتخذت أمريكا أفضل قراراتها حين وظفت قوتها الهائلة لبناء نظامٍ دوليٍ فعالٍ لجميع الدول، حتى الصغيرة منها، والحفاظ عليه، استنادا إلى القوانين والقواعد والأعراف، وانطلاقا من مبدأ أن السلام والازدهار والحرية العالميين هي منافع عامة مشتركة، تتحقق على أفضل وجهٍ بجهودٍ مشتركة (أي متعددة الأطراف). أما أسوأ قراراتها فكانت حين تنكرت لهذه الفلسفة، أو عرقلت المنظمات متعددة الأطراف، أو انحرفت عن مسارها داخل النظام الدولي الذي بنته.
بداية المنظمات الدولية
من الأمثلة على ذلك، كان إنشاء الأمم المتحدة 1945 ثاني أفضل قرارٍ اتخذته الولايات المتحدة على الإطلاق. لم تقدم أمريكا على ذلك بمفردها بالطبع، لكنها لعبت دوراً رائداً، بعد سنواتٍ من الجهود التي بذلها الرئيس فرانكلين روزفلت وآخرون (بمن فيهم أرملته إليانور) بعد وفاته. كانت رؤيتهم تصحيح إرث عصبة الأمم، التي أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها عجزت عن منع اندلاع الحرب العالمية الثانية.
كان مفترضاً أن تكون الأمم المتحدة الجديدة منبراً للعالم، مع تحميل القوى العظمى، بما فيها أمريكا، مسؤوليةً خاصةً لضمان مبادئ مثل السيادة الوطنية للجميع والحل السلمي للنزاعات.
في المقابل، كان خامس أسوأ قرار هو رفض مجلس الشيوخ الأمريكي لمعاهدة فرساي 1919، ثم مرة أخرى 1920. لم تنهِ تلك المعاهدة الحرب العالمية الأولى فحسب، بل أنشأت أيضا عصبة الأمم مشؤومة المصير، وقد كانت نتاج فكرة الرئيس وودرو ويلسون، لكنها حكم عليها بالتهميش التدريجي بغياب الدعم الأمريكي. لن نعرف أبدا كيف كان سيكون التاريخ لو لم تنسحب الولايات المتحدة - لو استطاعت القيادة الأمريكية في هذه المنظمة متعددة الأطراف وقف الاستبداد في وقت أبكر بكثير.
جذور العولمة
يستمر هذا النمط مع سابع أفضل قرار، وهو إنشاء نظام بريتون وودز 1944. سمي النظام نسبة إلى الموقع في ولاية نيو هامبشاير حيث وضعت فكرته، وقد تولى تنظيم الإقراض والعملات والتجارة العالمية، تماماً كما سعت الأمم المتحدة إلى تنظيم الأمن العالمي وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا. ولا تزال مؤسساته قائمة حتى اليوم، بدرجات متفاوتة من الفعالية: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة، التي أصبحت 1995 منظمة التجارة العالمية.
كما هي الحال مع الأمم المتحدة، كان الهدف من نظام بريتون وودز تصحيح إخفاقات فترة ما بين الحربين العالميتين، وتحديداً الانزلاق إلى حرب اقتصادية، بسياسات مثل تعريفات سموت-هاولي الأمريكية (التي لم تبلغ قائمة أسوأ 10 قرارات).
من القرارات الأخرى التي مثلت ريادة الولايات المتحدة وانخراطها - ما عرف لاحقا باسم ”باكس أمريكانا“ أو "القرن الأمريكي" - إنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) 1949 (الذي صنف سادس أفضل قرار) وخطة مارشال عام 1948، التي صنفت في المرتبة الأولى.
وقد سمي هذا البرنامج تيمنا بوزير الخارجية جورج مارشال، وكان أحد أكبر برامج المساعدات الخارجية في التاريخ، حيث قدمت الولايات المتحدة ما يعادل نحو 180 مليار دولار اليوم إلى 16 دولة في أوروبا الغربية كانت قد دمرت بسبب الحرب وتحتاج إلى المساعدة لدرء الشيوعية في الداخل والسوفييت في الشرق.
يمثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وخطة مارشال معاً بُعد نظر استراتيجي استثنائي، والخير الذي يمكن تحقيقه عندما تظهر أمريكا قوتها وكرمها معا.
غزو العراق
تروي قائمة أسوأ القرارات قصة إساءة استخدام القوة الأمريكية. في مقدمتها غزو العراق 2003. لم يكن هذا الغزو مبنيا على افتراضات خاطئة فحسب (بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل)، بل إنه، على عكس الحرب الكورية أو حرب الخليج 1990، افتقر أيضا إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي (الذي أصدر قراراً يطالب بالتفتيش دون السماح باستخدام القوة). بدلاً من ذلك، مضت الولايات المتحدة قدما في "تحالف الراغبين"، وكانت عواقبه كارثية في نظر المؤرخين.
تظهر قرارات سيئة أخرى انغلاقاً مؤقتاً للعقل الأمريكي. في المرتبة الثامنة على تلك القائمة، يأتي تقييد عدد اللاجئين اليهود من ألمانيا النازية، بدافع من النزعة القومية والتعصب، الذي أدى إلى إعدام عشرات الآلاف.
في المرتبة السابعة، الانسحاب 2017 من اتفاقية باريس، وهي اتفاقية للأمم المتحدة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. هذا هو القرار الوحيد الذي اتخذته إدارة ترمب الأولى والذي ورد في هذه القوائم.
بالنظر إلى الماضي، كان ذلك القرار مجرد إشارة لما سيحدث في إدارته الثانية، والتي أعتبرها، في رأيي، إضافة إلى قائمة أسوأ القرارات. يواصل ترمب إظهار ازدرائه لحلف الناتو (الذي احتل المرتبة السادسة خلال 250 عاماً، كما نتذكر)، بل إنه هدد إحدى أعضائه، الدنمارك، بالاستيلاء على أراضي جرينلاند.
كما أنه ينتقد منظومة الأمم المتحدة ويقاطعها ويخربها ويقوضها (الذي احتل المرتبة الثانية على الإطلاق)، منسحباً (مجدداً) من اتفاقية باريس ومن أكثر من 60 هيئة أخرى تابعة للأمم المتحدة.
هل مجلس السلام بديل عن الأمم المتحدة؟
الآن يحاول حتى إنشاء "مجلس سلام" يبدو أنه مصمم ليحل محل الأمم المتحدة، مع إضافة أنه لن يرأسه فحسب (طالما هو على قيد الحياة، على ما يبدو)، بل سيبنى بالكامل حول شخصه وسلطته ونزواته. يبدو القانون الدولي والنظام العالمي مختلفين تماماً.
تبدو السياسات التي تجمع بين الكرم الأمريكي والاستراتيجية الكبرى، مثل خطة مارشال (صاحبة المرتبة الأولى)، ضرباً من الخيال في أمريكا الجديدة. في عهد ترمب، قلصت الولايات المتحدة مساعداتها لأوكرانيا، وللمساعدات عموماً؛ بل إن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهي الجهة المسؤولة عن ذلك، قد ألغيت.
أصبح إرث بريتون وودز طيّ النسيان، إذ يشن ترمب حرباً تجارية على شركاء أمريكا ومنافسيها على حد سواء. أما مبدأ مونرو (ثامن أفضل سياسة على الإطلاق في القائمة) فقد تحول في عهد ترمب إلى "مبدأ دونرو" وحشي، يظهر الغلظة لمجرد الغلظة في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي.
انظروا إلى قوائم جيمس ليندسي نظرة شاملة. يبدو أنها تشير إلى أن أمريكا كانت في أوج قوتها عندما كانت منفتحةً على العالم ومتفاعلةً معه، وفي أسوأ حالاتها عندما انغلقت على نفسها أو حتى كانت عدائية. لقد صنعت تاريخاً إيجابياً عندما حددت مصالحها بأساليب مستنيرة، كعضو فاعل في المجتمع الدولي، كدولة ستزدهر عندما يكون العالم بأسره أكثر أماناً وحريةً وصحةً وثراءً ونظاماً. وصنعت تاريخاً سلبياً عندما سعت وراء مصالحها الضيقة، بطرق زرعت الفتن والفوضى والبؤس على الصعيد الدولي.
ينبغي لنا إعداد هذه القوائم تكراراً، ثم إجراء الحوارات اللازمة. أعتقد أن الوقت المناسب لذلك سيكون بعد ثلاث سنوات.
كاتب عمود في بلومبرغ الرأي. رئيس تحرير سابق لمجلة هاندلسبلات العالمية؛ 20 عامًا في مجلة الإيكونوميست.
خاص بـ "بلومبرغ"
