الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أدت مراكز الشراء والبيع المكشوف القياسية إلى وضع المتفائلين والمتشائمين بشأن معدن الزنك في حالة من المواجهة المحتدمة في بورصة لندن للمعادن. وينقسم مجتمع الصناديق الاستثمارية انقساماً حاداً حول ما إذا كان الارتفاع غير المتوقع في أسعار الزنك هذا العام قد انتهى، أم أنه مجرد استراحة مؤقتة.

فقد تراكمت لدى مديري الاستثمارات مراكز بيع مكشوف قياسية في عقود الزنك في بورصة لندن، وفي الوقت ذاته، تقترب مراكز الشراء التي تحتفظ بها الصناديق أيضاً من مستويات قياسية. وتتجلى هذه التوترات في التقلبات الحادة في الأسعار، وفي ضغوط متتالية على عقود التسليم القريبة. ويظهر غياب أي توافق حول الأسعار حالة من الانقسام المماثل في السوق الفعلية (سوق المعادن المادية)، وهو ما رصدته بدقة "المجموعة الدولية لدراسات الرصاص والزنك" (ILZSG) في أحدث تقاريرها الإحصائية.

من فائض متوقع إلى عجز فعلي

عندما اجتمعت "المجموعة الدولية لدراسات الرصاص والزنك" في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت تتوقع أن تؤدي وفرة الإمدادات من المناجم وزيادة إنتاج الزنك المكرر إلى تجاوز الطلب، ما سيوجد فائضاً قدره 271 ألف طن متري. أما التقديرات الأحدث للمجموعة، فتشير إلى أن السوق العالمية ستشهد هذا العام عجزاً في الإمدادات يبلغ 88 ألف طن.

ويعود هذا التعديل بالكامل إلى التطورات التي شهدها جانب العرض؛ إذ لا يكاد الطلب ينمو، وهو ما يظهر ارتباط الزنك -عبر استخدامه في الصلب المجلفن- بقطاع الإنشاءات، الذي يعاني ضعفا في شتى أنحاء العالم، ولا سيما في الصين. وفي المقابل، جاءت إمدادات الزنك أقل من التوقعات.

فبدلاً من النمو كما كان متوقعاً، يتجه الإنتاج العالمي من مناجم الزنك نحو الانخفاض بنسبة 2.6% على أساس سنوي في 2026. ويعود ذلك إلى عوامل عدة، منها: إغلاق منجم "ليدي لوريتا" التابع لشركة "جلينكور" في أستراليا، وانخفاض تركيز المعدن في الخامات المستخرجة من منجم "ريد دوج" التابع لشركة "تيك ريسورسز" في ألاسكا، إضافة إلى اضطرابات غير متوقعة في منجم "جاربنبيرج" التابع لشركة "بوليدن" في السويد.

أدت شحّة المواد الخام إلى دفع رسوم المعالجة في المصاهر نحو منطقة سلبية غير مسبوقة، ما جعل عديدا من المصاهر تعتمد في بقائها على بيع المنتجات الثانوية، مثل حمض الكبريتيك.

وتتفوق المصاهر الصينية في المنافسة المحتدمة على مركزات الزنك؛ إذ يُتوقع أن يرتفع الإنتاج الصيني من الزنك المكرر بنسبة 3.7% هذا العام، في حين يُنتظر أن ينكمش الإنتاج في بقية أنحاء العالم بنسبة 2.0%. والنتيجة هي سوق فعلية (مادية) تتسم بالانقسام؛ حيث تشهد الصين فائضاً، بينما تعاني بقية المناطق نقصا في المعدن.

طفرة الصادرات الصينية

تسهم الصادرات الصينية في إعادة التوازن إلى السوق العالمية، بفضل اتساع هامش المراجحة (فرق السعر) مع بورصة لندن للمعادن (LME). ووفقاً للمكتب العالمي لإحصاءات المعادن، الذي يجمع الأرقام الجمركية الرسمية، فقد شحنت الصين 111 ألف طن من الزنك المكرر خلال أغسطس وسبتمبر. وكما كان متوقعاً، توجهت هذه الشحنات إلى مواقع مستودعات بورصة لندن للمعادن، مثل هونج كونج وسنغافورة وميناء كاوهسيونج في تايوان. لطالما كانت الصين مستورداً صافياً للزنك المكرر، ولم تشهد صادرات بهذا الحجم منذ 20 عاماً، أي قبل أن تفرض بكين رسوماً جمركية على الصادرات في 2008.

ضغوط متواصلة

ساعدت الإمدادات القادمة من الصين في تعافي مخزونات بورصة لندن للمعادن من أدنى مستوى لها في أغسطس عند 92,550 طناً لتصل إلى 165,650 طناً، إلا أن هذه الكميات سرعان ما يتم سحبها. ففي الأسبوع الماضي، سُجلت عمليات إلغاء (سحب) صافية بلغت 26,300 طن، ووصلت كمية المعدن التي تنتظر حالياً التحميل الفعلي إلى نحو 20% من إجمالي المخزونات المعلنة. وفي الوقت ذاته، لا تزال المخزونات الموجودة خارج نظام المستودعات المعتمدة منخفضة للغاية، حيث تبلغ 11,261 طناً فقط. وتزداد حدة الضغوط التي تشهدها عقود بورصة لندن للمعادن منذ يوليو الماضي.

فقد ارتفع الفارق السعري بين عقود التسليم الفوري وعقود التسليم بعد 3 أشهر من أقل من 50 دولاراً للطن إلى 118 دولاراً للطن خلال الأسبوع الماضي. ارتفع سعر الزنك (لعقد الثلاثة أشهر) من أدنى مستوى له في 15 أكتوبر، البالغ 3650 دولاراً للطن، ليصل يوم الثلاثاء إلى 3855 دولاراً للطن؛ وهو ما يشير إلى أن الغلبة حالياً في يد المتفائلين (المراهنين على ارتفاع الأسعار). أما إلى متى سيستمر هذا الوضع، فذلك أمر يبقى أن نراه.

هل يلوح في الأفق انفراجٌ في العام المقبل؟

قد يجد المتشائمون (المراهنون على انخفاض الأسعار) في توقعات "المجموعة الدولية للرصاص والزنك" (ILZSG) للعام المقبل ما يبعث على التفاؤل. إذ تتوقع المجموعة نمواً في إمدادات التعدين بنسبة 3.0% على أساس سنوي في 2027، ما سيعيد السوق العالمية إلى حالة من الفائض الطفيف في الإمدادات، يقدر بنحو 25 ألف طن. ومع ذلك، يظل هذا التقدير ضئيلاً للغاية في سوق عالمية يبلغ حجمها 14 مليون طن.

كما تجدر الإشارة إلى أن "المجموعة الدولية للرصاص والزنك" كانت تتوقع نمواً في الإنتاج التعديني خلال العام الجاري، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع. وستتحدد ديناميكيات السوق على المدى القصير بناءً على قدرة الصين على الحفاظ على وتيرة صادراتها الحالية؛ إذ يبدو أن حتى مصاهر الزنك الصينية -التي تتمتع بقدرة تنافسية عالية للغاية- تواجه صعوبات في الحصول على المواد الخام.

ففي حين نمت واردات الصين من مركزات الزنك بنسبة 30% على أساس سنوي في 2025، لم تتجاوز نسبة الزيادة في حجم الواردات 0.6% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026. في الوقت الراهن، لا تزال المنافسة محتدمة، ويبدو أن الصراع بين المتفائلين والمتشائمين سيستمر لفترة أطول.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية