دانية أركوبي
في النصف الثاني من القرن الماضي برزت اليابان كقطب رئيسي في ثورة التصنيع والتكنولوجيا، ولكن هذه المكانة تراجعت لمصلحة قوة ناشئة في آسيا مثل الصين. ولكن هذا التراجع لم يمنعها من الصعود كحلقة مهمة في سلاسل الإمداد المالية العالمية، ولاعب رئيسي في حركة الاستثمار ورأس المال التي يصل تأثيرها إلى جميع الأسواق، ومختلف أدوات الاستثمار.
تبدأ الحكاية من اقتصاد ينكمش بفعل طلب ضعيف، واستهلاك يتآكل بسبب أزمة سكانية، ومنافسة خارجية صعبة قادمة من آلة الصناعة الصينية. هنا تدخل صانعو السياسات النقدية وحافظوا على أسعار فائدة منخفضة للغاية وفي بعض الأحيان صفرية أو سالبة. هذا الوضع لم تؤثر فيه أي صدمات أو تغيرات اقتصادية أو جيوسياسية محلية أو دولية على مدى 3 عقود منذ بداية القرن الحالي.
الهدف واضح، خفض تكاليف الاقتراض لتشجيع الشركات على الاستثمار والتوسع والتصدير، والأفراد على الإنفاق والاستهلاك والإنجاب. نجحت السياسة في استقرار النظام، لكنها لم ترقَ إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام وانتعاش ديموغرافي وديون حكومية في مستويات آمنة. هذه الظروف خلقت فرصة نادرة لا تتكرر لما يعرف بتجارة الفائدة.
الاقتراض من السوق اليابانية بفائدة منخفضة، وتحويل الأموال للاستثمار في أدوات تدار عوائد مجزية مثل سندات الخزانة في الولايات المتحدة وأوروبا. هنا يحقق المستثمرون أرباحا مرتفعة بمخاطر معدومة. هذا الوضع المستمر منذ سنوات، جعل اليابان تملك قدرا هائلا من رأس المال المستثمر في الخارج، ففي نهاية 2025 وصلت الأصول الأجنبية المملوكة لمستثمرين يابانيين إلى 5 تريليونات دولار موزعة بين الديون والأسهم وصناديق الاستثمار. في الولايات المتحدة فقط تملك اليابان نحو 1.2 تريليون دولار من سندات الخزانة.
ولكن ماذا لو انقلب الوضع؟ هذا السؤال الذي ظل يؤرق المستثمرين وصانعي السياسات ليس في اليابان وإنما في كل العالم. يعني هذا أن الفائدة على السندات اليابانية ترتفع تدريجياً وتكون مقاربة لنظيرتها في الأسواق العالمية، أو يتوقف البنك المركزي عن التدخل في السوق للدفاع عن الين وشراء السندات. هنا يصبح الوضع صعبا، فتجارة الفائدة لم تعد مربحة للمستثمرين، والعوائد المجزية المحلية كفيلة بإعادة الأموال المهاجرة إلى السوق المحلية.
حتى فبراير 2024 كانت الفائدة في اليابان سالبة وذلك في ذروة دورة التشديد النقدي العالمي، ومن بعدها تبنى بنك اليابان تغيرات جذرية. اتجه لرفع متتالي في أسعار الفائدة حتى وصلت اليوم إلى 0.75% وهو أعلى معدل في 30 عاما. تماشى ذلك مع تخطى عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل (40 عاما) مع بداية 2026 مستوى 4.2% وهو معدل متقارب من عوائد السندات الصينية والأوروبية.
يأتي ذلك في ظل خطط حكومية لطرح مزيد من السندات بهدف تمويل خطط التحفيز الاقتصادي المقررة من الحكومة، بجانب تقليص بنك اليابان لمشترياته من السندات الحكومية. إذن كيف تترجم السوق الوضع الحالي، معروض كبير من السندات في السوق، عوائد مجزية، سياسة نقدية تميل للتشديد، توترات تجارية وجيوسياسية عالمية تغذي عدم اليقين في السياسات الاقتصادية. التفكير الأول، التخارج من الأصول الخارجية والعودة إلى السوق اليابانية.
لذلك فإن كسر السلطات اليابانية القواعد التقليدية للسياسة النقدية، كشف مع التحول بعيداً عن سياسة أسعار الفائدة شديدة التساهل، مدى اعتماد الأسواق العالمية على حقبة من رأس المال الياباني منخفض التكلفة. والذي شهدناه من تخبط في أسواق السندات الشهر الحالي يعطينا جرس إنذار مبكر عن صدمات مالية قد يصعب السيطرة عليها بالنسبة إلى كل الفاعلين في الاقتصاد العالمي.
ما يزيد الأمر صعوبة أن ثورة السياسات اليابانية تأتي في وقت يسوده عدم اليقين، والذي يدفع البنوك المركزية ومديري الأصول والصناديق بأنواعها إلى إعادة تشكيل محافظهم الاستثمارية. عبر تخفيض حصة أدوات الدين الثابت واستبدالها بالملاذات الآمنة، بما يعني تدفقات وفوائض ومدخرات خارجة من أوعية الحكومات إلى خزائن المعادن.
في الختام فقد وضعت اليابان نهاية لسياستها النقدية التقليدية، ما يشكل اختبار إجهاد للنظام المالي العالمي الذي اعتمد لعقود على رأس المال الرخيص من اليابان. فنزيف الاستثمارات قد توقف، ورأس المال الخارجي يستعد للعودة. ويظل الدرس الأعمق ليس عن اليابان وحدها، بل عن نظام عالمي يتكيف مع نهاية حقبة معينة ويعيد اكتشاف مدى تعرضه للتقلبات في تدفقات رأس المال التي كانت تعد أمورًا مفروغًا منها.
مستشارة اقتصادية
