الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 2 مايو 2026 | 15 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

الوجه الجديد لديون إفريقيا

أمادو ساي
أمادو ساي
الخميس 30 أبريل 2026 11:54 |4 دقائق قراءة

تشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تحولا جذريا في أنماط الاقتراض؛ حيث أصبحت حكوماتها أكثر اعتمادا على الدين المحلي بدلا من الدين الخارجي. ويتيح هذا الاتجاه فرصا جديدة لبناء القدرة على الصمود ودعم التنمية، ولكنه يفرض أيضا تحديات جديدة تتطلب إدارة دقيقة.

ومع مطلع الألفية، اعتمدت حكومات إفريقيا جنوب الصحراء اعتمادا كبيرا على القروض الخارجية، ولا سيما الإقراض الميسر بالعملات الأجنبية من المؤسسات الثنائية والمتعددة الأطراف. وبعد أن خفضت مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون رصيد الديون الخارجية، أدى النمو القوي في الاقتصادات الإفريقية، إلى جانب بحث المستثمرين الدوليين حول العالم عن تحقيق عائدات مجزية، إلى إصدار عديد من البلدان سندات اليوروبوند، وهي قروض تصدر في الأسواق الخارجية وعادة ما تكون مقومة بالدولار أو اليورو.

وفي حين أسهمت هذه الأدوات في توسيع نطاق الحصول على التمويل، فقد أدت كذلك إلى زيادة التعرض لمخاطر تقلبات أسعار العملات والتغيرات المفاجئة في معنويات المستثمرين الأجانب. وعندما ارتفعت أسعار الفائدة الدولية وضاقت الأوضاع المالية العالمية في 2022، أُغلقت أبواب الأسواق العالمية أمام عديد من البلدان.

وبمرور الوقت، أصبحت البلدان أكثر اعتمادا على الاقتراض المحلي، فأصدرت ديونا في الأسواق المحلية بعملتها الوطنية. ولجأت بعض البلدان إلى ذلك كاستجابة طارئة لاحتياجاتها التمويلية الكبيرة وفقدانها لإمكانية النفاذ إلى الأسواق الدولية. وزادت بلدان أخرى تدريجيا من اقتراضها المحلي كجزء من مساع أوسع لتطوير الأسواق المالية. ونتيجة لهذا التحول في تكوين الدين، أصبح الدين المحلي يمثل النسبة الأكبر من معظم الدين العام في إفريقيا جنوب الصحراء.

منافع عديدة

يتيح اللجوء إلى أسواق الدين المحلية مجموعة واسعة من المزايا. فالحكومات يكون بمقدورها الاقتراض بعملاتها الوطنية، متجنبة بذلك مخاطر صدمات أسعار الصرف والحاجة إلى السحب من الاحتياطيات الأجنبية للسداد، كما تخضع هذه الديون للقوانين المحلية، ما يجعل إدارتها أكثر بساطة ووضوحا.

والميزانيات العمومية للحكومات ليست المستفيد الوحيد. فازدهار أسواق الدين المحلية يمكن أيضا أن يدعم النمو الاقتصادي الكلي الأوسع نطاقا، وأن يوفر وقاية ضد الصدمات الاقتصادية. وتعزز إصدارات الدين المحلي المنتظمة مجموعة أدوات عمليات السياسة النقدية لدى البنوك المركزية، ما يسهل معه توجيه الاقتصاد والسيطرة على التضخم.

مخاطر جديدة

إلى جانب المنافع، تثير أسواق الدين المحلية طائفة من المخاطر الجديدة التي تتطلب إدارة دقيقة. فعادة ما تصدر الديون المحلية بآجال استحقاق قصيرة للغاية مقارنة بالقروض الخارجية، قد لا تتجاوز أياما أو شهورا في بعض الأحيان، وليس سنوات أو عقودا وقد تمكنت بعض البلدان، مثل موريشيوس وتنزانيا، من تمديد آجال استحقاق هذه الديون، ما أثر إيجابا في السياسة النقدية والأسواق الرأسمالية.

وهناك أيضا خطر إثقال كاهل النظم المالية المحلية الصغيرة. ففي عديد من البلدان، تحتفظ البنوك بكميات كبيرة من الديون الحكومية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة ويجعل حصول الشركات على القروض أكثر صعوبة. ودون القروض، تعاني الشركات، وبالتالي الاقتصاد في سبيل تحقيق النمو.

ومن الشواغل ذات الصلة تنامي الرابطة بين الكيانات السيادية والبنوك. فمع زيادة حيازات البنوك من ديون الحكومات، تتشابك ثرواتها، ما قد يخلق حلقة مفرغة من الآثار المرتدة. ويمكن أن يؤدي تراجع الجدارة الائتمانية للحكومة إلى محو أصول البنوك ونشوب أزمة مصرفية. وقد تؤدي الأزمة المصرفية بدورها إلى اتخاذ إجراءات لإنقاذ البنوك، وانخفاض الائتمان الخاص والنمو، وتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، وأزمة أكثر عمقا على صعيد المالية العامة.

وإحدى سبل توسيع قاعدة المستثمرين هي السماح للمستثمرين الأجانب بشراء الدين المحلي. فالأدلة تشير إلى أن ارتفاع نسبة ملكية غير المقيمين للدين المحلي يرتبط بانخفاض العائدات وزيادة السيولة، ما يحد من تكلفة خدمة الدين غير أن زيادة الملكية الأجنبية تفرض مخاطر جديدة. فتدفقات غير المقيمين قد تكون أكثر تقلبا، حيث تتأثر بدرجة أكبر بظروف الاستثمار، وتتسبب في تقلبات كبيرة في العائدات والمبيعات، وهو ما يُعرف باسم مشكلات "الأموال الساخنة". وبوجه عام، فكلما زادت مديونية البلد، تفاقمت التحديات. وفي حين يمكن للتنظيم الذكي أن يساعد في تخفيف المخاطر، فإن نقص البيانات حول الملكية يمكن أن يعقد عملية صنع السياسات.

الخلاصة

بعد تجاوز سنوات من الصدمات المتتالية، استقر إجمالي الدين الحكومي في إفريقيا جنوب الصحراء، ولكنه لا يزال مرتفعا. ومع ذلك، استمر تصاعد تكلفة خدمة الدين، ما أدى إلى فرض ضغوط على الميزانيات الحكومية وتراجع الحيز المتاح للاستثمارات الحيوية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية. فاليوم، غالبا ما تنفق حكومات المنطقة حوالي سُبع إيراداتها على مدفوعات الفائدة وحدها. وفي هذا السياق، يكتسب الدين المحلي أهمية أكبر.

والبلدان التي تعمل على تطوير سوق الدين المحلية كجزء من إستراتيجية اقتصادية أوسع نطاقا غالبا ما تكون أكثر قدرة على الاستفادة من منافع هذه السوق وإدارة مخاطرها. فحينما يكون الاقتراض المحلي جزءا من خطة مدروسة وواضحة ضمن مجموعة الأدوات المالية للبلد، فبإمكانه أن يدعم القدرة على الصمود والنمو المستدام.

وتظل ممارسات إدارة الدين الجيدة هي حجر الزاوية في استمرار النفاذ إلى الأسواق واحتواء تكلفة الاقتراض، سواء المحلي أو الدولي. والشفافية ضرورية أيضا، حيث يساعد إصدار إحصاءات حديثة ودقيقة وشاملة عن الدين، والتواصل الفعال مع المستثمرين والجمهور، في بناء الثقة. كذلك فإن قوة الأطر القانونية والتنظيمية، والإدارة الحكيمة لمحفظة الدين، ووضوح إستراتيجية استدامة القدرة على تحمل الدين، تحمل القدر نفسه من الأهمية.

وينبغي أن يقترن تطوير سوق الدين بإصلاحات أوسع نطاقا في القطاعين المالي والخاص. ومن شأن توسيع قاعدة المستثمرين المحليين، لتشمل صناديق المعاشات التقاعدية وشركات التأمين وغيرها من جهات توفير رأس المال الخاص طويل الأجل، أن يسهم في تنويع الطلب على الدين الحكومي والحد من المخاطر.

ويعد استقرار الأوضاع الاقتصادية الكلية شرطا أساسيا للنجاح. فالابتكار في أسواق الدين المحلية أيا كان قدره لا يمكن أن يعادل تأثير سوء إدارة المالية العامة أو ارتفاع التضخم أو عدم استدامة القدرة على تحمل أعباء الدين. وواقع الأمر أن مواطن الضعف تلك يمكن أن يعزز بعضها بعضا، ما يؤدي إلى تفاقم المخاطر. ويمكن أن يكون الدين المحلي أداة قوية لبناء القدرة على الصمود وتحقيق التنمية المستدامة، بشرط توخي الحكمة في استخدامه كجزء من إستراتيجية اقتصادية شاملة تُدار بكفاءة.

مدير مساعد في الإدارة الإفريقية بصندوق النقد الدولي.

خبيرة اقتصادية في الإدارة الإفريقية بصندوق النقد الدولي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية