محمد كركوتي
- لن تتراجع المخاوف بشأن الانعكاسات الخطيرة للمواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران، على الاقتصاد العالمي. هذه المواجهة، حتى في سياقاتها "السياسية الهادئة" -إن وجدت- تبقي أوضاع هذا الاقتصاد على ما هي عليه. فالأضرار التي نالها، لن تنتهي بسرعة، والآثار التي يتركها، ستعيق حراكه في كل الميادين، بما يترك النمو تحت التهديد.
أضرار المواجهة اقتصادياً، لا تنحصر فقط بسلاسل التوريد ونقص إمدادات الطاقة، بل تشمل بالدرجة الأولى المسار الذي كان عليه الاقتصاد العالمي في الأعوام القليلة الماضية، حيث كان يتعافى حقاً، من سلسلة من الاضطرابات طغت عليه مطلع العقد الحالي، وفي مقدمتها جائحة "كورونا"، التي ما لاتزال غالبية الاقتصادات تدفع ثمن انفجارها وانتشارها وتبعاتها.
- الخوف الأكبر على الاقتصاد العالمي اليوم، من جراء المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وفشل الوصول إلى محطة لوقوفها، يتمثل بتقييد النمو في حدود دنيا، واستمرار مستويات التضخم عند حدود عليا. هذا الوضع تشكل في الواقع، بعد نجاح كل الاقتصادات في العالم تقريباً، في صراعها الطويل مع ارتفاع تكاليف الاستهلاك، التي وصلت في بعض البلدان إلى ما فوق 15% في فترة من الفترات.
الوضع الراهن، منع بالطبع كل البنوك المركزية، بما فيها "الأمريكي"، من الإقدام على خفض ضروري في هذه المرحلة بالذات لأسعار الفائدة، من أجل إعطاء دفعة للنمو الذي تجمع توقعات كل المؤسسات الاقتصادية العالمية الكبرى، على أنه سيتعرض للانخفاض هذا العام وفي العامين المقبلين على الأقل.
- صندوق النقد الدولي خفض توقعاته للنمو للعام الجاري إلى 3%، بعدما كان بحدود 3.1%، ولا توجد ضمانات ببقائه عند هذا المستوى في الأشهر المتبقية من هذا العام، ولاسيما التعثر المستمر للمفاوضات بين أطراف المواجهة العسكرية المشار إليها. وبالرغم من إشارات لإمكانية تعافي النمو العام المقبل، فإنه -وإن حدث بالفعل- سيكون أقل مما يحتاجه الاقتصاد العالمي في الأعوام المتبقية من العقد الحالي.
باختصار، التهديدات التي تستهدف النمو ستكون حاضرة في المرحلة المقبلة، وكذلك الأمر على صعيد التضخم، الذي سيبقى في أفضل الحالات فوق المستوى المستهدف له عند 2%، دون أن ننسى أن المسار حتى مطلع العام الحالي، كان يمضي باتجاه تراجع التضخم، الذي ضغط على الحكومات هنا وهناك لسنوات متعددة.
- لا مجال هنا لا لرفع النمو ولا لخفض التضخم، ولا توجد (كما يبدو) مساحة أمام المشرعين الماليين في العالم، للتحرك نحو خفض الفائدة في الأشهر المتبقية من العام الحالي. حتى مجلس الاحتياطي الأمريكي "البنك المركزي"، الذي صار تحت قيادة كيفن ووارش الموالي الكبير للرئيس دونالد ترمب، لم يستطع تنفيذ رغبة هذا الأخير، بخفض لتكاليف الاقتراض في مراجعته الأخيرة.
دائما أن التهديدات متواصلة في الشرق الأوسط، لن يكون هناك هدوء اقتصادي عالمي، يحتاجه العالم للتعافي من اضطرابات المرحلتين الماضية والحالية.
كاتب اقتصادي
