الأحد, 19 يوليو 2026|3 صَفَر 1448
الاقتصادية

بعد أشهر من أجواء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ومن تهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وتعطل جزء من الإمدادات من بعض أهم منتجي النفط والغاز في العالم، ومخاوف اتساع رقعة الصراع في المنطقة، هبطت أسعار النفط خلال اليومين الماضيين بصورة حادة عقب الإعلان عن مذكرة تفاهم مبدئية بين الولايات المتحدة وإيران، تمهيدًا لتوقيع اتفاق رسمي في سويسرا خلال الأيام المقبلة.

وهنا يبرز سؤال مهم:

هل تبرر أساسيات السوق هذا الهبوط؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم كيفية تسعير النفط والعوامل التي تحرك أسواقه. ففي الماضي كان كثير من الناس يعتقدون أن سعر النفط يعتمد فقط على كمية النفط المنتجة وكمية النفط المستهلكة. لكن مع تطور الأسواق المالية أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك سوق فعلية للنفط تحركها أساسيات العرض والطلب، وهناك سوق مالية تحركها التوقعات والمضاربات. وعادة ما تؤثر السوق الفعلية في الاتجاهات المتوسطة والطويلة الأجل، بينما يكون تأثير السوق المالية أكبر على المدى القصير.

فعندما ترتفع احتمالات اندلاع حرب أو أزمة جيوسياسية قد تهدد إمدادات النفط، أو تعطل الإنتاج في دولة رئيسية، أو تؤثر في الممرات البحرية الحيوية، يبدأ المضاربون وصناديق الاستثمار بشراء عقود النفط تحسبًا لارتفاع الأسعار مستقبلاً. ونتيجة لذلك ترتفع الأسعار قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات. ويُعرف هذا الجزء الإضافي من السعر في أسواق الطاقة بما يسمى "علاوة المخاطر الجيوسياسية".

وخلال الأشهر الماضية ارتفعت هذه العلاوة بشكل ملحوظ بسبب المخاوف المرتبطة بالصراع في المنطقة. لكن مع ظهور مؤشرات التهدئة، بدأ المتداولون بإعادة تقييم المخاطر، فتراجعت الحاجة إلى الاحتفاظ بالعقود التي اشتروها سابقًا، وبدأت موجة بيع واسعة انعكست سريعًا على الأسعار. وفي كثير من الأحيان لا يعرف السوق المالية منطقة وسطى؛ فهو ينتقل من الخوف المفرط إلى التفاؤل المفرط، أو العكس.

وهناك عاملان آخران يزيدان من حدة هذه التحركات.

الأول هو صناديق الاستثمار الكبرى، التي تقوم عند بداية الهبوط بإغلاق مراكزها الشرائية، أي بيع العقود التي اشترتها سابقًا للمضاربة على ارتفاع الأسعار. ومع خروج عدد كبير من المستثمرين في وقت متقارب، تتزايد الضغوط البيعية بصورة كبيرة.

أما العامل الثاني فهو أنظمة التداول الآلية والخوارزميات التي تنفذ أوامر البيع والشراء بصورة فورية عند وصول الأسعار إلى مستويات محددة مسبقًا. وعندما يتم كسر بعض المستويات السعرية المهمة، تتولد أوامر بيع إضافية تسرع وتيرة الهبوط، ما يفسر أحيانًا الانخفاضات الحادة خلال فترات زمنية قصيرة.

لكن يبقى السؤال الأهم:

هل تدعم أساسيات السوق هذا التراجع؟

إذا نظرنا إلى المؤشرات الأساسية، نجد أن الصورة ليست بهذه البساطة. فخلال فترة التوترات الأخيرة استُهلك جزء من المخزونات التي كانت تمثل هامش أمان للسوق، ولا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على ارتفاع كبير في تلك المخزونات. كما لا تظهر الأسواق حالة فائض نفطي مريح يمكن أن يبرر هذا الهبوط الحاد.

إضافة إلى ذلك، فإن عودة أي إنتاج متعطل أو صادرات متأثرة بالأحداث الجيوسياسية تحتاج إلى وقت. فإعادة تشغيل الحقول النفطية، واستعادة مسارات الشحن، وإعادة بناء سلاسل الإمداد ليست عمليات تحدث بمجرد توقيع هدنة أو إعلان اتفاق سياسي، بل قد تستغرق أسابيع أو أشهر قبل أن تنعكس بشكل ملموس على السوق. والأهم من ذلك أن الطلب العالمي لم يظهر حتى الآن مؤشرات قوية على التراجع.

لذلك فإن كثيرًا من أساسيات السوق لا تبدو متوافقة مع حجم الهبوط الذي شهدته الأسعار خلال فترة قصيرة، وهو ما يفسر اعتقاد بعض المحللين بأن السوق قد تكون بالغت في رد فعلها، تمامًا كما بالغت سابقًا في تسعير المخاطر الجيوسياسية. في نهاية المطاف، تتحرك أسواق النفط بين قوتين متنافستين دائمًا: أساسيات العرض والطلب من جهة، وتوقعات المستثمرين ومخاوفهم من جهة أخرى.

وفي كثير من الأحيان يتحرك الخوف أو التفاؤل بسرعة أكبر بكثير من حركة البراميل نفسها. ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو: لماذا هبط النفط؟ بل: هل سبق الواقع هذه المرة توقعات السوق، أم أن السوق سبق الواقع؟

أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية