خلال الأيام الأربعة الماضية عادت أسواق النفط إلى حالة من الهدوء النسبي بعد أسابيع من التقلبات الحادة التي غذتها المخاوف الجيوسياسية، لكن هذا الهدوء لا يُعتقد أن يكون هدوءاً طويلاً بل هدوء الانتظار والترقب، المحرك الأساسي لهذه المرحلة كان بدء المحادثات الأمريكية - الإيرانية في مسقط، التي وُصفت حتى الآن بأنها بداية جيدة مع خطط لجولات لاحقة.
بدأت الأسعار الأسبوع الماضي ببعض الزخم في الصعود الخفيف بحيث اقترب خام برنت من مستوى 69 دولاراً للبرميل، ووصل خام تكساس الوسيط إلى حدود 65 دولاراً مدفوعاً ببقايا القلق من احتمال تعثر المفاوضات قبل أن تبدأ فعلياً.
لكن مع تسريب أنباء إيجابية عن ترتيب اللقاء في عُمان، انقلبت حركة الأسعار بتراجع خام برنت بلغ نحو 3% ليستقر في نطاق 66 دولاراً كما هبط خام تكساس الوسيط إلى ما دون 64 دولارا. هذا الانخفاض كان تعبيراً واضحاً عن تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تضخم الأسعار في الأسابيع السابقة.
انعقاد الجولة الأولى من المحادثات أعاد الانتعاش الجزئي رغم أن الأسبوع قاد إلى نتيجة تراكمية مثلت خسارة طفيفة إلى متوسطة راوحت بين 2 و4%. المسار الدبلوماسي الأمريكي - الإيراني يظل العامل المؤثر في أسواق النفط في الفترة الأخيرة، فطالما بقيت المحادثات مفتوحة وتُظهر تقدماً ولو رمزياً فإن احتمال تعطيل الإمدادات عبر مضيق هرمز يتراجع، ومعه تتآكل العلاوة التي كانت تدعم الأسعار فوق 70 دولاراً.
العامل المؤثر الآخر هو موقف أوبك بلس، فقرار تجميد زيادات الإنتاج المقررة لشهر مارس، الذي أُعلن في اجتماع مطلع فبراير، أعطى السوق نوعاً من الحماية ضد الانهيار الحاد.
الدولار بدوره يشكل أحد أهم محركات السوق النفطية، فالنفط يُقَوم بالدولار وقادت قوة طفيفة للدولار الأمريكي إلى ضغط إضافي على السلع المقومة به.
بيانات الطلب العالمي خصوصاً في الصين المستورد الأكبر للخام في العالم لم تُظهر بعد إشارات قوة كافية لتعويض الضغوط التي تتعرض لها الأسواق.
ولكن إلى أين تتجه الأسعار؟
من نظرة على المحركات الدافعة والرياح المعاكسة، يظهر أن السوق معلقة بين نتيجتين رئيسيتين: إذا استمرت المحادثات الأمريكية - الإيرانية في إظهار تقدم ملموس حتى لو كان بطيئاً فمن المرجح أن يتركز برنت في النطاق الحالي للأسعار، وربما يختبر مستويات أدنى نحو 64-65 دولاراً إذا استمر ضعف الطلب الموسمي.
ولكن أي تعثر مفاجئ أو تصريح متشدد من أي طرف سيُعيد علاوة المخاطر بسرعة، ما قد يدفع الأسعار فوق مستوى 70 دولاراً. كما أن سيناريو هبوطيا تدريجيا لا يغيب عن المشهد بسبب عدة محركات لعل أبرزها الزيادة المتوقعة في العرض خارج أوبك بلس وخصوصاً من الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وكندا.
التباطؤ الواضح في وتيرة نمو الطلب العالمي مع تسارع مصادر الكهرباء وتحسين كفاءة استهلاك الوقود قد يضغط على الأسعار في المستقبل المنظور.
ومع ذلك، فقد نشهد تشديداً للإنتاج مجدداً إذا بدأت الأسعار تقترب من مستويات متدنية، كما أن انخفاض نمو إنتاج النفط الصخري الأمريكي قد يحد من حجم الفائض المتوقع.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
