عبد الرحمن النمري
إذا أردنا فهم “الإغراء الفنزويلي” في رأيي، لا بد أن نبدأ بالأرقام لا بالشعارات. في التسعينيات كانت فنزويلا لاعبا ثقيلا ومؤثرا في سوق النفط العالمي إذ تراوح إنتاجها بين 2.1 مليون برميل يوميا مطلع العقد وبلغ ذروته عند نحو 3.3 مليون برميل يوميًا في 1998.
أرى أن هذه المرحلة تمثل المرجعية الحقيقية التي تقاس عليها التوجهات الحالية المتعلقة بالنفط الفنزويلي، لكن المسار تغيّر جذريا بعد ذلك، ومع بدايات الألفية انهار الإنتاج تدريجيا حتى وصل اليوم إلى أقل من مليون برميل يوميا، مع تسجيل مستويات تقارب 870 ألف برميل يوميا في بعض الأشهر، أي أقل من 1% من الإنتاج العالمي!
التحول لم يكن اقتصاديا بحتا، بل سياسيا في اعتقادي، والجديد بالذكر أن فنزويلا عادت فجأة إلى واجهة المشهد بعد تدخل مباشر من البيت الأبيض، وإعلان نية واشنطن إعادة ترتيب قطاع النفط الفنزويلي وفتح الباب أمام عودة الشركات الأمريكية على نطاق واسع!
أعتقد أن هذا التدخل شكّل صدمة للأسواق، لأنه لا يتعامل مع النفط كسلعة فقط، بل كأداة نفوذ جيوسياسي وإعادة رسم للتوازنات الإقليمية والدولية.
لكن السؤال الجوهري: ما تكلفة إعادة فنزويلا إلى سابق عهدها؟ هنا أرى أن الأرقام أكثر صدقا من الخطاب السياسي، حيث أن رفع الإنتاج إلى حدود 1.5 مليون برميل يوميا يتطلب استثمارات تقارب 20 مليار دولارا بحسب المصادر، بينما العودة إلى ذروة أواخر التسعينات عند 3.4 مليون برميل يوميا قد تحتاج 100 مليار دولار أو أكثر بكثير.
في اعتقادي أن هذه التكلفة لا تتعلق بالحفر وحده، بل بإعادة بناء منظومة متكاملة من المصافي والأنابيب والكهرباء والخدمات اللوجستية، إضافة إلى معالجة أضرار بيئية متراكمة. أما الإطار الزمني لذلك، فأعتقد أن الحديث عن نتائج سريعة غير واقعي، كون حتى السيناريوهات المتفائلة تشير إلى عدة سنوات من العمل المتواصل والمتحرر من أي تقلبات سياسية وأمنية وجيوسياسية.
هل الخطة الأمريكية سهلة التنفيذ؟ أعتقد أن الإجابة الواقعية المختصرة هي لا، فالاستثمار النفطي لا يذهب إلى الاحتياطيات فقط، بل إلى بيئة قانونية مستقرة، وحوكمة واضحة، وضمانات أمنية، وموثوقية في الإمدادات، وأرى أن الإرث الثقيل لفنزويلا لا يصب في مصلحة خذا التوجه أبدا، وهذا يجعل بلا شك أي مستثمر يعيد حساباته مهما كانت الإغراءات!
ولو افترضنا جدلا أن الخطة نجحت وعاد النفط الفنزويلي بقوة، في رأيي سيكون الأثر في الأسواق العالمية ملموسا بطبيعة الحال ولكنه لن يكون كارثيا كما يصور البعض! إضافة مليون إلى مليوني برميل يوميا، ستعيد ترتيب أوراق تحالفات المنتجين لاستيعابه، كون هذا الأثر لن يكون فوريا، بل تدريجيا ومشروطا بسرعة التنفيذ واستقراره.
ختاما، أرى أن النفط الفنزويلي يمثل فرصة ضخمة على الورق، لكنه في الواقع اختبار حقيقي لمعنى المخاطر السياسية الذي تنفر منه رؤوس الأموال، وأرى أنه يعزز حقيقة أن النفط قد يكون نعمة إستراتيجية إذا أُحسن إدارته، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا غابت الحوكمة والرؤية والموثوقية.
مختص في شؤون الطاقة
