الأربعاء, 22 يوليو 2026|6 صَفَر 1448
الاقتصادية


د.نوف البلوي

في كرة القدم، لا يقف المدرب على خط الملعب ليضع الخطة فقط. صحيح أن الجانب الفني هو نقطة البداية: اختيار التشكيلة، قراءة الخصم، إدارة التحولات، وضبط إيقاع المباراة. لكن في المنتخب الوطني، تتسع مهمة المدرب كثيراً. فهو لا يدير فريقاً فحسب، بل يتعامل مع ذاكرة جماعية، وجمهور، وضغط، ولغة، وتوقعات، وشعور عميق بالتمثيل.

لهذا، لا يكفي أن يكون المدرب عارفاً باللعبة من الخارج. في المنتخبات تحديداً، يحتاج المدرب إلى فهم اللاعب كما هو، لا كما يظهر في التقارير الفنية فقط. يحتاج إلى معرفة ما يحفزه، وما يربكه، وكيف يستجيب للضغط، وكيف يمكن تحويل الحماس الوطني إلى انضباط داخل الملعب لا إلى توتر خارجه.

غالباً ما يُطرح النقاش حول المدرب من زاوية واحدة: هل يملك فكراً تكتيكياً حديثاً؟ هل يجيد الضغط العالي؟ هل يعرف إدارة البطولات؟ وهذه أسئلة مهمة. لكنها لا تكتمل ما لم يُطرح بجانبها سؤال آخر: هل يفهم البيئة التي يقودها؟ فالمنتخب ليس نادياً يمكنه شراء أسلوب جاهز ثم تطبيقه كما هو. المنتخب مساحة تمثيل وطني، وكل قرار فيه يحمل معنى يتجاوز حدود المباراة.

من هنا يمكن فهم الملاحظة التاريخية اللافتة في كأس العالم: لم يسبق لمنتخب أن فاز بالبطولة بمدرب أجنبي. هذه الملاحظة ليست قانوناً ثابتاً، ولا تعني أن المدرب الأجنبي غير قادر أو غير مؤهل. لكنها تشير إلى أمر أعمق: المنتخبات التي وصلت إلى القمة كانت تملك منظومة قادرة على إنتاج مدرب يفهم ثقافتها الكروية بقدر ما يفهم تكتيكها.

المسألة إذن ليست مقارنة بسيطة بين مدرب وطني ومدرب أجنبي. الاختيار الحقيقي يجب أن يكون بين نموذجين: نموذج يشتري الخبرة عند الحاجة فقط، ونموذج يبني الخبرة داخل المنظومة. الأول قد يمنح أثراً سريعاً، أما الثاني فيصنع قدرة مستمرة. وبينهما يظهر الفارق بين إدارة نتيجة مؤقتة وبناء مشروع رياضي طويل الأمد.

المدرب الوطني الكفء لا ينبغي أن يُقدَّم كخيار عاطفي. الوطنية وحدها لا تكفي، كما أن الخبرة وحدها لا تكفي إذا بقيت منفصلة عن البيئة التي تعمل فيها. المطلوب هو مدرب وطني يملك التأهيل والمعرفة الحديثة، وفي الوقت نفسه يفهم الثقافة المحلية، وطبيعة اللاعب، وحساسية الجمهور، وتاريخ المنتخب. هذه العناصر ليست خارج اللعبة؛ هي جزء من إدارتها.

في البطولات الكبرى، يصبح هذا البعد أكثر وضوحاً. الوقت قصير، والضغط عالٍ، والهامش بين النجاح والإخفاق ضيق. في مثل هذه الظروف، لا يحتاج اللاعب إلى تعليمات فنية فقط، بل إلى قائد يعرف كيف يخفف التوتر، وكيف يبني الثقة، وكيف يجعل الانتماء دافعاً للأداء لا عبئاً عليه. هنا تظهر قيمة المدرب الذي يفهم الخطة ويفهم المعنى في الوقت نفسه.

ومن زاوية أوسع، يمثل المدرب الوطني الكفء استثماراً في رأس المال البشري الرياضي. فإعداد المدربين لا يقل أهمية عن إعداد اللاعبين. المدرب المؤهل لا يترك أثره في مباراة واحدة، بل في لاعبين، ومساعدين، وفئات سنية، وطريقة عمل، ومعرفة تنتقل داخل المنظومة. وكلما زادت جودة المدربين المحليين، أصبحت كرة القدم أقل اعتماداً على الحلول المستوردة وأكثر قدرة على بناء مسارها الخاص.

أما الاعتماد المستمر على المدرب الأجنبي من دون نقل معرفة حقيقي، فيطرح سؤالاً عن جدوى هذا الإنفاق على المدى الطويل. فالتعاقد مع خبرة خارجية قد يكون مفيداً إذا كان جزءاً من مشروع واضح، لكنه يظل محدود الأثر إذا انتهى بانتهاء العقد. العبرة ليست فقط بمن يقود المنتخب في بطولة معينة، بل بما يبقى داخل المنظومة بعد رحيله.

لذلك، يجب أن تتحول العلاقة مع الخبرات الأجنبية من علاقة تعاقد مؤقت إلى علاقة بناء معرفة. يمكن أن يكون المدرب الأجنبي مفيداً إذا جاء ومعه برنامج واضح لتطوير المساعدين المحليين، وتوثيق المنهجية الفنية، وتدريب الكوادر، وربط المنتخب الأول بالفئات السنية. بهذه الطريقة يصبح وجوده مرحلة تطوير، لا بديلاً دائماً عن المدرب الوطني.

وفي المقابل، يحتاج المدرب الوطني إلى مسار واضح حتى يصبح خياراً قائماً على الكفاءة لا المجاملة. هذا المسار يبدأ من التعليم المستمر، والرخص التدريبية، والخبرة الميدانية، والعمل في الفئات السنية، والاحتكاك الخارجي، ثم التدرج في المسؤولية. عندها لا يكون تعيين المدرب الوطني قراراً رمزياً، بل نتيجة طبيعية لمنظومة صنعت كفاءتها بنفسها.

الدول الكروية الكبرى لم تصل إلى القمة لأنها تملك لاعبين مميزين فقط، بل لأنها تملك ثقافة كروية متكاملة. تنتج اللاعب، وتنتج المدرب، وتنتج طريقة اللعب، وتراكم الثقة عبر الزمن. وفي هذا المعنى، يصبح المدرب الوطني الكفء أحد مؤشرات نضج المنظومة، لا مجرد اسم على دكة البدلاء.

الخلاصة أن المنتخب لا يحتاج إلى مدرب يفهم الخطة فقط، بل إلى مدرب يفهم الناس الذين سينفذونها، والجمهور الذي ينتظرها، والهوية التي تقف خلفها. كرة القدم في المنتخب ليست تكتيكاً مجرداً، بل مشروع معرفة وثقافة وانضباط. ولذلك، فإن بناء المدرب الوطني الكفء ليس ترفاً ولا شعاراً، بل ضرورة لمن يريد أن يحول كرة القدم من نتائج متقطعة إلى قدرة وطنية مستدامة.

مستشار في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية