كاثرين ثوربيك
ـ استئناف الحوار بعد توقف عامين يفتح نافذة محدودة لبناء شفافية متبادلة تمنع مخاوف السلامة من التحول إلى ذريعة لتسريع التطوير المتهور
ـ الولايات المتحدة والصين تعتزمان استئناف محادثات سلامة الذكاء الاصطناعي هذا الشهر قبيل قمة مرتقبة بين ترمب وشي
ـ الأبحاث الصينية حول سلامة الذكاء الاصطناعي المتقدم ارتفع معدل نشرها الشهري بنحو 60% بين يونيو 2025 وأبريل 2026
ـ 5 شركات فقط من أكبر عشرة مطورين صينيين نشرت نتائج تقييمات السلامة مع أي إصدار خلال العام الماضي
الخلاصة
تستأنف الولايات المتحدة والصين محادثات حول سلامة الذكاء الاصطناعي بعد توقف عامين، بهدف تبادل الرؤى حول المخاطر والإجراءات المتخذة دون التفاوض على صفقة شاملة. تسعى المحادثات إلى تحقيق شفافية ووضوح متبادل لتجنب سباق متهور في تطوير التكنولوجيا، مع ضرورة عزلها عن التنافس الاقتصادي بين البلدين.
يواصل قادة وادي السيليكون التحذير من سيناريوهات كارثية قد يقود إليها الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يمنعهم من مواصلة السباق لتطويره وتسويقه.وغالباً ما يتذرعون بالصين باعتبارها السبب الذي لا يترك أمامهم خياراً آخر، رغم أن حقبة ما بعد "تشات جي بي تي" تشير إلى أن الضغوط الأشد تأتي من تنافسهم في ما بينهم. ومع ذلك، يسود اعتقاد بأن التعاون مع بكين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم شبه مستحيل، وهو اعتقاد يعززه النظر إلى الصين نفسها، في كثير من الأحيان، باعتبارها الخطر الأكبر على سلامة هذه التكنولوجيا.
يضع ذلك بقية العالم في موقف بالغ الصعوبة، لكن ثمة نافذة أمل ضيقة قد تؤدي إلى وضع أفضل. فبعد توقف دام عامين في الحوار الرسمي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، أعلنت الولايات المتحدة والصين عزمهما استئناف المحادثات. وقد ينطلق الحوار هذا الشهر، بحسب "رويترز"، قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينج.
ما المطلوب من محادثات أمريكا والصين؟
ما الذي يمكن اعتباره نجاحاً لهذه المحادثات؟ ليس الثقة ببكين، وبالتأكيد ليس التفاوض على صفقة شاملة. فالهدف أبسط من ذلك: على كل طرف أن يمتلك رؤية كافية لمخاوف الطرف الآخر بشأن قدرات الذكاء الاصطناعي، والإجراءات التي يتخذها للتعامل معها، بما يحول دون اتخاذ الشكوك ذريعة لتسريع تطوير هذه التكنولوجيا بتهور. ولا يقلّ أهمية عن ذلك عزل هذه المحادثات عن بقية أوجه التنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، إذ لا ينبغي أن تتحول المخاطر الوجودية إلى أوراق للمساومة.
وقد أعطت بكين بالفعل مؤشراً إلى أبرز مخاوفها قبيل المحادثات. إذ حذّر حساب "يويوان تانتيان" (Yuyuan Tantian) على وسائل التواصل الاجتماعي، والمرتبط بالتلفزيون المركزي الصيني (CCTV)، من أن تتحول محادثات السلامة إلى محاولة أخرى لاحتواء الصعود التكنولوجي للصين. فبعدما لجأت واشنطن إلى مبررات "الأمن القومي" لفرض قوائم سوداء وقيود على الصادرات، يخشى المسؤولون الصينيون بوضوح من أن تتحول سلامة الذكاء الاصطناعي إلى أداة مماثلة لفرض القيود.
وقد عبّر شي عن هذا التوتر بوضوح في يوليو، حين دعا إلى "ضمان بقاء الذكاء الاصطناعي دائماً تحت سيطرة البشر"، فيما رفض "التوسع المفرط في مفهوم الأمن القومي" و"تقديم أمن دولة على أمن الدول الأخرى".
وترى بكين أن من يضع القواعد يكسب نفوذاً جيوسياسياً، وقد اقترحت بالفعل إنشاء "منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي"، كما تدعم مبادرتين للأمم المتحدة. من هنا، لا ينبغي أن يكون الهدف دفع الصين إلى تبني القواعد الأمريكية، بل التوصل إلى ضوابط يقبل بها الطرفان، وتحد في الوقت نفسه من ديناميكيات السباق داخل كل منهما.
الشفافية بدلاً من الثقة
كما أن نهج بكين تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي يتغير أيضاً. فالتنظيمات السابقة التي لا تزال تُعد في كثير من الأحيان محوراً رئيسياً في نموذجها، ركزت على الضوابط السياسية. لكن مع صعود تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيلة، تحوّل القلق من ما يمكن لهذه الأنظمة قوله إلى ما يمكنها فعله، وفق التقرير السنوي لمجموعة "كونكورديا إيه آي" البحثية حول واقع سلامة الذكاء الاصطناعي في الصين. كذلك، ارتفع بشكل ملحوظ عدد الأبحاث المنشورة في البلاد حول سلامة الذكاء الاصطناعي المتقدم، إذ زاد معدل النشر الشهري بنحو 60% بين يونيو 2025 وأبريل 2026.
وهذا يعني أن التحدي ليس في إقناع الصين بأخذ هذه المخاطر على محمل الجد، بل في إقناع مسؤوليها بأن سلامة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد غطاء لعرقلة تقدمها. فالثقة قد تكون بعيدة المنال، لكن تحقيق قدر من الوضوح المتبادل يظل ممكناً.
من دون هذا الوضوح، "سيفترض القادة على الجانبين، على نحو مفهوم، أسوأ الاحتمالات: أن الطرف الآخر يضحي بأي إجراء يتعلق بالسلامة في سباق متهور لبناء أقوى نظام ممكن"، وفق ما كتب مات شيهان من "مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي"، معتبراً أن حسابات السلامة ستُحكم عندها بـ"المصلحة الذاتية".
وتبدو الشفافية نقطة البداية البديهية لتحقيق هذا الوضوح. فقد كتب كليمان ديلانج، الرئيس التنفيذي لشركة "هاجينج فيس"، أخيراً على منصة "إكس" أنه يتساءل أحياناً عما كان سيحدث لو لم يكشفوا عن الهجوم السيبراني المرتبط بوكلاء "أوبن إيه آي". فقد أصبحت هذه الواقعة أحدث جرس إنذار بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي التي يُرجح أن تتفاقم مع تزايد قدرات الأنظمة، وقد استقطبت اهتماماً على جانبي المحيط الهادئ. وكتب ديلانج أن الحادثة تكشف الحاجة إلى "شفافية أكبر بمئة مرة في مجال الذكاء الاصطناعي".
هل يمكن إبطاء سباق الذكاء الاصطناعي؟
لا يقتصر تعزيز هذه الشفافية على القنوات الدبلوماسية، بل يمكن أن يمتد إلى ما يُعرف بمحادثات "المسار 1.5" و"المسار 2"، وهي لقاءات أقل رسمية تجمع مسؤولين بصفتهم الشخصية أو خبراء غير حكوميين في الذكاء الاصطناعي. ومنذ 2023، عقدت مجموعات صينية وغربية 12 جولة من هذه المحادثات، لكن ثمة حاجة إلى مزيد منها لفهم المخاوف التي تشغل كل طرف والتطورات التي يراقبها.
ويأتي الحوار الرسمي في وقت تثير التطورات في قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحسين نفسها ذاتياً مخاوف جديدة. فقد دعا كبير العلماء في "أوبن إيه آي"، يوم الأحد، إلى "إبطاء طوعي" لوتيرة التطوير إلى حين "وضع معايير مشتركة للسلامة". وفي السياق نفسه، قالت "أنثروبيك" في يونيو إن إبطاء وتيرة التطوير "سيكون على الأرجح أمراً جيداً"، مع إقرارها بأن فرض أي توقف سيكون بالغ الصعوبة.
ربما الأفضل لوادي السيليكون أن يخفف من التهويل بالمخاطر ما دام لا يعتزم التحرك بناءً على تحذيراته. في المقابل، تحتاج الشركات الصينية إلى الارتقاء بممارسات السلامة الأساسية. فوفقاً لـ"كونكورديا"، لم ينشر سوى 5 من بين أكبر 10 مطورين للنماذج الأساسية في الصين نتائج تقييمات السلامة مع أي إصدار خلال العام الماضي. وإذا كانت بكين تطمح إلى المساهمة في وضع القواعد العالمية، فعليها أولاً أن تطالب قطاعها المحلي ببذل المزيد في هذا المجال.
وينبغي للمستثمرين على الجانبين الدفع في الاتجاه نفسه. فتجنب وقوع كارثة ضروري للحفاظ على الثقة بهذه التكنولوجيا، إذ إن أي تحول حاد في المعنويات تجاهها قد يهز الأسواق بشدة، في وقت لا يزال الاقتصاد العالمي منكشفاً بدرجة كبيرة على طفرة الذكاء الاصطناعي.
إذاً النتيجة الأفضل لمحادثات الولايات المتحدة والصين بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي ليست التوصل إلى اتفاق شامل يمكن الترويج له على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه انتصاراً مدوياً. كما لا ينبغي مقايضة هدنة في الرسوم الجمركية أو إتاحة الوصول إلى الرقائق بتعهدات بشأن مخاطر لا تعرف حدوداً. فالنجاح الحقيقي يكمن في تحقيق قدر كافٍ من الوضوح، ووجود مصلحة ذاتية كافية لدى الطرفين، لمنعهما من خوض سباق في الظلام نحو الهاوية.
كاتبة عمود في بلومبرغ تغطي التكنولوجيا في آسيا ومراسلة تقنية في CNN وABC News.
خاص بـ " الشرق بلومبرغ"
