الخميس, 24 سبتمبر 2026|11 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


دانية اركوبي

على مدار قرون تشكلت علاقة بين المال والاقتصاد، قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة. فأصحاب الفوائض يقرضون الحكومات والشركات والأفراد، مقابل الحصول على عائد ينمى ثرواتهم. ويتوقف تحديد العائد على ظروف مرحلية مثل التضخم، الطلب والعرض على المال، الاضطرابات الجيوسياسية، الثقة في الأداء الاقتصادي. واليوم نرى وضع مختلفاً، فالمال بات قابلاً للتسليع لا تحدده أسعار الفائدة من البنوك المركزية فقط، والوصول للتمويل بات عملية شاقة أكثر من ذي قبل، والثقة في كثير من الاقتصادات في أدنى مستوياتها بسبب السياسات المالية.

منذ بداية القرن الحالي عالج العالم صدماته الكبرى عبر خفض تكاليف الاقتراض. من الأزمة المالية العالمية في 2007 إلى جائحة كورونا في 2020. لم يدرك صناع السياسات في ذلك الوقت أن الوضع غير مستدام، فالأموال ذات التكلفة المنخفضة قد تؤدي إلى انتعاش لحظي، ولكنها ليست بديلًا للإنتاج والتوسع والتوظيف.

والأثر على المدى المتوسط والطويل سيكون ذات تكلفة يصعب تحملها، أولها أن فورات الاقتراض لتعزيز الاستهلاك ستحدث خلل في هيكل الدين الحكومي والقدرة على السداد. كما علمتنا النظريات النقدية أن نقود أكبر في السوق دون أن يعادلها زيادة في الإنتاج ستخلق موجه تضخمية تلتهم القدرة الشرائية. من هنا كان بداية النهاية لعصر الفائدة الصفرية أو السالبة في العالم.

يقترن إقراض الأموال بالثقة وقوة الوضع المالي للمقترض، عندما تفقد الأسواق هذه الخصائص ترتفع كلفة المال. على سبيل المثال أصبحت كثير من الاقتصادات الكبرى تعاني ارتفاعا مفرطا في حجم الديون وعجز مالي متفاقم بسبب ضعف الإيرادات وارتفاع النفقات. هنا لا تسعر الأسواق تكاليف الاقتراض فقط بناء على أسعار الفائدة السائدة، ولكن تأخذ عوامل أخرى في الحسبان مثل القدرة على السداد ومخاطر التخلف، مستويات الأسعار. يكون لذلك آثار جانبية على الاقتصادات، فالاقتراض يصبح وسيلة لسداد فوائد وأصل الدين وليس تمويل برامج اجتماعية وتنمية صناعية وإنتاجية وخدمية.

لا يمكن تجاهل دور التوترات الجيوسياسية والتجارية في رفع تكاليف الاقتراض، من جهة تضغط على معدلات التضخم وموثوقية سلاسل التوريد، ومن جهة تعيد توجيه رأس المال بما يخدم المصالح القومية لكل دولة. ما يضع ضغوط على النقديين لرفع أسعار الفائدة، وتقفز عوائد السندات اللازمة للتمويل.  ولكن الأمر يمتد إلى أبعد من الحكومة، ويشمل الشركات التي تحتاج للسيولة لسداد التزاماتها أو تنفيذ توسعاتها المستقبلية، والأفراد الذين يحتاجون للاقتراض سواء للرهون العقارية أو بطاقات الائتمان.  

يبقا السؤال الأهم كيف تتكيف الحكومات مع أسعار الفائدة المرتفعة؟ الهدف الأساسي يجب أن يتمثل في استعادة الثقة للأسواق عن طريق خطوات حقيقية لخفض الدين ومعالجة العجز المتفاقم وتحقيق الانضباط المالي والكفاءة في الإنفاق والإيرادات ودعم النمو الاقتصادي الحقيقي وأسواق العمل.  فالحلول الأسهل عبر سياسات الاقتراض المفرط من الأسواق لم تعد قابلة للاستمرار.  

ولكن ليست كل الأوراق في أيدي صانعي السياسات لتحقيق التكيف، فالتوترات الجيوسياسية وتوسع نطاق الصراع العالمي تقع خارج إطار السيطرة وتفرض تكاليف إضافية إلزامية ممثلة في زيادة نفقات الدفاع وخطط الاستجابة الطارئة والتعويضات عن ارتفاع الأسعار.

ومن المهم التذكير أن تسليع المال ورفع كلفته وضع غير صحي، ولا يوجد مستفيد منه حتى المقرضين والمستثمرين. فقد أثبتت التجارب أن فائدة متوازنة مع اقتصاد حقيقي ينمو أفضل من فائدة مرتفعة مع اقتصاد منكمش يصاحبه خلل في سوق الدين. وكما أدت الفائدة الصفرية إلى وضع غير مستدام وتضخم مفرط نتيجة الاقتراض الحكومي المكثف، فالفائدة المرتفعة لن تنتج الاستقرار الموعود في ظل تنافس جيوسياسي وانهيار في العولمة وضعف اقتصادي وتآكل في الاستثمار الحقيقي.

في الختام تحول المال إلى محور تنافس بين فاعلين الاقتصاد، والفوز به لمن يدفع أكثر. ولكن وجب التذكير أن هذا الوضع غير قابل للاستدامة، فالمال وظيفته تشغيل محركات الاقتصاد وليس المضاربة. وعلى الجميع إدراك أن تجاوز تسعير المال لحدود بعينها سيفوق قدرة ميزانيات الحكومات والشركات والأسر على التحمل والوفاء بالالتزامات. ومن المهم الموازنة بين تحقيق العوائد وضمان الحفاظ على ديمومة الاقتصادات واستقرارها.

مستشارة اقتصادية

منتدى الاقتصادية 2026