علي الشدي
مرت بلادنا والمنطقة خلال السنوات الأخيرة بأحداث عصيبة شكّلت اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية الدول في مواجهة التحديات، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين الماء والغذاء للمواطنين والمقيمين.وفي خضم هذه المتغيرات، أثبتت السعودية أن أمنها الغذائي والمائي خط أحمر لا يقبل الارتهان للظروف، مستندة إلى نهج استباقي واضح عزّز المخزونات الإستراتيجية، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وطوّر تقنيات الري والتحلية، ما مكّنها من التعامل مع الأزمات بصلابة مؤسسية وثقة عالية.
هذا النهج لم يكن وليد ردّة فعل، بل هو نتاج رؤية إستراتيجية طويلة المدى، أدركت مبكرًا أن إدارة المخاطر تبدأ قبل وقوعها، وأن الاستثمار في البنية التحتية والقدرات المؤسسية هو الضامن الحقيقي للاستقرار. وقد ظهر ذلك في بناء منظومة متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات، والحفاظ على استمرارية الإمدادات، وتوفير مقومات الحياة الأساسية بكفاءة واستدامة.
وفي هذا الإطار، جاء تطوير التوجهات المؤسسية لكل من الهيئة العامة للأمن الغذائي والهيئة السعودية للمياه خلال عامي 2023 و2024، ليؤسس لمرحلة أكثر تكاملًا في التعامل مع ملفي المياه والغذاء، من خلال توحيد الجهود، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستوى التنسيق بين الجهات ذات العلاقة. وقد برز دور هاتين الجهتين بشكل لافت خلال الأزمات الأخيرة، حيث اتجهت الأنظار نحوهما للاطمئنان، مدعومة بما يصدر عنهما من تقارير ومؤشرات تُبرز مستوى عالٍ من الجاهزية والشفافية.
ومن الأمثلة على ذلك، تفقد وزير البيئة والمياه والزراعة، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للأمن الغذائي، المهندس عبدالرحمن الفضلي، لمركز الإنذار المبكر المطوّر، الذي يمثل أحد أهم أدوات الاستباق، حيث يتولى متابعة الإنتاج، وتحليل سلاسل الإمداد، وقياس مستويات المخزون الإستراتيجي، بما يدعم اتخاذ القرار في الوقت المناسب، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بعدم اليقين وتسارع المتغيرات.
وعلى صعيد قطاع المياه، استطاعت السعودية، رغم وقوعها في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا، أن تحقق إنجازًا نوعيًا ببناء واحدة من أكبر منظومات المياه في العالم، تؤمّن احتياجات ملايين السكان والقطاعات الحيوية. ولم تقتصر الجهود على مشاريع تقليدية، بل شملت بناء منظومة متقدمة تعتمد على تحلية مياه البحر كمصدر رئيس للمياه العذبة، لتتبوأ المملكة موقع الريادة عالميًا بإنتاج نحو 8 ملايين متر مكعب يوميًا، أي نحو 20% من الإنتاج العالمي. كما دعمت هذه الجهود شبكة واسعة من السدود تجاوز عددها 550 سدًا، أسهمت في تعزيز الموارد المائية، وتنمية القطاع الزراعي، والحد من مخاطر السيول.
أما في جانب الأمن الغذائي، فقد مثّل تحويل المؤسسة العامة للحبوب إلى الهيئة العامة للأمن الغذائي نقلة نوعية في إدارة هذا الملف الحيوي، حيث تتولى الهيئة، بالتكامل مع الجهات ذات العلاقة، متابعة أسواق الغذاء العالمية، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر، ورصد التقلبات، والعمل على تنويع مصادر الاستيراد، وتحفيز الإنتاج المحلي، بما يضمن استقرار السوق وتوفر السلع الأساسية. وقد أثبتت هذه المنظومة فاعليتها خلال الأزمات العالمية، مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، حيث حافظت المملكة على استقرار الإمدادات وتوازن السوق المحلية.
وقد أشرت في مقال نُشر 2009 إلى أن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بارتفاع أسعار النفط أو أداء الأسواق المالية، بل بقدرة الدولة على تأمين غذائها، داعيًا إلى تبني إستراتيجية غذائية شاملة تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. واليوم، تتجسد هذه الرؤية واقعًا ملموسًا، من خلال تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، وتبني سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
وأسفرت هذه الجهود عن تحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الغذائية، حيث تجاوزت النسب 100% في بعض القطاعات، مثل: التمور ومنتجات الألبان وبيض المائدة، إضافة إلى عدد من المحاصيل الزراعية، كما سجلت السعودية تقدمًا ملحوظًا في إنتاج اللحوم والدواجن والأسماك، ما يُظهر كفاءة المنظومة الإنتاجية وقدرتها على تلبية الطلب المحلي بكفاءة واستدامة.
وخلاصة القول، إن ما تحقق في قطاعي المياه والأمن الغذائي لم يكن نتاج ظروف طارئة، بل نتيجة تخطيط مبكر ورؤية إستراتيجية واضحة، جعلت من الاستعداد المسبق وإدارة المخاطر نهجًا ثابتًا. وقد أثبتت هذه السياسة فاعليتها في أوقات الأزمات، ورسّخت مكانة السعودية كنموذج رائد في الجاهزية والاستدامة، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتطوير.
كاتب اقتصادي
