الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


بقلم د. نوف البلوي

قد تبدو شركة ما قوية على الورق لديها أرباح مستقرة، وتدفقات نقدية جيدة، وخطط توسع مقنعة. لكن خلف هذه الأرقام قد تكون هناك مشكلة لا تظهر سريعًا في القوائم المالية كفاءات تغادر، ومهارات يصعب تعويضها، ومعدل دوران مرتفع، أو اعتماد متزايد على مقاولين وموردين لا تملك الشركة رؤية كافية عن القوى العاملة التي تشغّل أعمالهم. لا يظهر أثر هذه المشكلات دائمًا في اللحظة نفسها، لكنه قد يظهر لاحقًا في ارتفاع التكلفة، أو تعطل التشغيل، أو ضعف القدرة على تنفيذ الاستراتيجية.

من هنا بدأ سؤال يتقدم بهدوء إلى قلب أسواق المال: هل يمكن فهم قيمة الشركة ومخاطرها من دون فهم القوى العاملة التي تنتج هذه القيمة؟

هذا السؤال وصل إلى مجلس معايير الاستدامة ،ففي 24 سبتمبر الماضي، قرر المجلس تغيير اسم أحد مشاريعه البحثية من "رأس المال البشري إلى الإفصاحات المتعلقة بالقوى العاملة هذا التغيير يعكس تحولًا في زاوية النظر، من الحديث العام عن قيمة الإنسان داخل المؤسسة إلى سؤال أكثر تحديدًا: ما المعلومات المتعلقة بالعاملين التي قد يحتاجها المستثمر لفهم آفاق المنشأة؟"

وتتضح أهمية هذه الخطوة عند معرفة موقع (ISSB). فقد أُنشئ المجلس في 2021 تحت مظلة مؤسسة (IFRS)، وهي المؤسسة نفسها التي يعمل تحتها مجلس معايير المحاسبة الدولية (IASB). وفي 2023 أصدر (ISSB) معياري (IFRS S1) و(IFRS S2)، بهدف بناء أساس عالمي للإفصاحات المتعلقة بالاستدامة والموجهة إلى أسواق رأس المال. كما حظيت المعايير بتأييد المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية (IOSCO).

ومع ذلك، لا يفرض المجلس معاييره مباشرة على الدول؛ فالإلزام يعتمد على تبني الجهات التنظيمية لها. لكن وزنه يأتي من قدرته على تشكيل اللغة التي تستخدمها الأسواق في تحديد المعلومات ذات الصلة بالمخاطر والفرص.

ومشروع القوى العاملة ما زال في مرحلة البحث، ولم يصدر عنه معيار جديد أو متطلبات إلزامية. إلا أن نطاقه يشمل العاملين لدى المنشأة والعاملين في سلسلة القيمة، وينظر في موضوعات مثل حجم القوى العاملة وتركيبتها، والتعويضات، ودوران الموظفين، والتدريب، وظروف العمل، والصحة والسلامة. المهم هنا ليس عدد المؤشرات، بل ما يمكن أن تكشفه هذه المؤشرات.

فالعامل يظهر تقليديًا في الحسابات من زاوية التكلفة: أجور، ومزايا، وتدريب. لكن ارتفاع دوران الموظفين قد يعني تكاليف متكررة للاستقطاب والتدريب، وفقدان خبرة يصعب تعويضها، وتراجعًا في الإنتاجية. ونقص المهارات قد يحد من التوسع أو تبني تقنيات جديدة. أما ضعف السلامة المهنية فقد يتحول إلى توقفات، وتعويضات، ونزاعات، وتكاليف تأمين أعلى.

عند هذه النقطة، لا يعود الاهتمام بالقوى العاملة شأنًا اجتماعيًا فقط. يصبح سؤالًا اقتصاديًا مباشرًا: هل تستطيع الشركة الاستمرار في إنتاج القيمة بالكفاءة نفسها؟

إذا تطور المشروع مستقبلًا إلى متطلبات إفصاح، فلن تكون المسألة مجرد إضافة مؤشرات جديدة إلى تقارير الشركات. الأثر الأهم سيكون في طريقة إدارة هذه المعلومات داخل المنشأة، وفي تحديد المسؤولية عن صحتها.

فبيانات مثل السلامة المهنية، والتدريب، ودوران العاملين قد تبدأ من إدارة الموارد البشرية، لكنها بمجرد دخولها في الإفصاحات التي يستخدمها المستثمر تصبح جزءًا من منظومة الحوكمة. عندها تبرز الحاجة إلى ضوابط واضحة لجمع البيانات ومراجعتها واعتمادها، وقد تمتد المسؤولية إلى إدارة المخاطر والمراجعة الداخلية والامتثال ومجلس الإدارة.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتجاوز البيانات الموظفين المباشرين إلى العاملين في سلسلة القيمة. فكثير من الشركات تعتمد في تشغيلها على مقاولين وموردين ومقدمي خدمات، بينما لا تملك بالضرورة البيانات نفسها عن القوى العاملة لدى هذه الأطراف.

إذا أصبحت بعض هذه المعلومات مطلوبة مستقبلًا، فسيكون على الشركات بناء القدرة على الحصول عليها والتحقق منها. وهنا تنتقل المسألة من الإفصاح إلى العقود وإدارة الموردين. فقد تظهر الحاجة إلى تحديد حق الشركة في الحصول على البيانات، وآلية تحديثها والتحقق منها، والمسؤولية عن المعلومات غير الدقيقة أو الناقصة. بهذا المعنى، يمكن لمتطلب إفصاح واحد أن يمتد أثره إلى العناية الواجبة والمشتريات وصياغة العقود وتوزيع المخاطر بين أطراف سلسلة القيمة.

لكن زيادة حجم البيانات ليست هدفًا في ذاتها. فكل معلومة جديدة تفرض تكلفة في جمعها ومراجعتها وتحديثها، وقد تصبح هذه التكلفة كبيرة عندما تمتد إلى مئات الموردين والمقاولين. لذلك فإن نجاح أي معيار مستقبلي سيتوقف على قدرته على التمييز بين المعلومات التي يحتاجها المستثمر فعلًا، وبين البيانات التي تزيد عبء الامتثال دون أن تضيف قيمة حقيقية للقرار الاستثماري.

وهنا تكمن المسألة الاقتصادية الأساسية. المستثمر لا يحتاج إلى معرفة كل شيء عن القوى العاملة؛ بل يحتاج إلى المعلومات التي تساعده على فهم قدرة الشركة على الاستمرار في أعمالها وإدارة مخاطرها والحفاظ على قدرتها على توليد القيمة.

فارتفاع دوران العاملين، أو نقص المهارات، أو ضعف السلامة، أو الاعتماد على قوى عاملة هشة في سلسلة التوريد لا تمثل قضايا تشغيلية منفصلة بالضرورة. قد تكون مؤشرات مبكرة على تكاليف مستقبلية أو اضطراب في العمليات أو ضعف في تنفيذ الاستراتيجية.

ولهذا يتغير السؤال تدريجيًا. لم يعد الأمر يقتصر على: كم تكلف القوى العاملة الشركة؟ بل أصبح السؤال أيضًا: ماذا تكشف القوى العاملة عن جودة الشركة وقدرتها على الاستمرار؟

ولا يزال مشروع (ISSB) في مرحلة البحث، ولا يوجد حتى الآن معيار جديد أو متطلبات نهائية. لكن اتجاه البحث مهم في حد ذاته؛ لأنه يعكس اتساع مفهوم المعلومات التي يمكن أن تدخل في تقييم المستثمر للشركة.

فإذا أصبحت بيانات المهارات، واستقرار القوى العاملة، والسلامة، ومخاطر العاملين في سلسلة القيمة قادرة على تفسير جانب من المخاطر والقيمة، فلن تبقى القوى العاملة مجرد بند في المصروفات. ستصبح جزءًا من قراءة المستثمر لجودة الأعمال نفسها.

مستشار في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية