الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 4 يونيو 2026 | 18 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الفلامنكو .. عندما تصبح الثقافة اقتصادا

أريج كعكي
أريج كعكي
الخميس 4 يونيو 2026 11:54 |3 دقائق قراءة

بدأت رقصة Flamenco كأداة تعبيرية ارتبطت بسياقات تاريخية واجتماعية في الأندلس، قبل أن تتطور لاحقًا لتصبح اليوم رمزًا ثقافيًا إسبانيًا عالميًا وجزءًا أصيلًا من الموروث الثقافي وعنصرًا فاعلًا ضمن منظومة الاقتصاد الثقافي الحديث. ويُبرز هذا التحول نموذجًا واضحًا لكيفية انتقال الثقافة من كونها تعبيرًا رمزيًا محليًا إلى أصل اقتصادي غير ملموس (Intangible Asset) قابل للتوسع والتكرار والتصدير عبر الحدود، حيث لم تعد الفلامنكو ممارسة فنية بحتة، بل أصبحت جزءًا من منظومة توليد قيمة اقتصادية مستدامة تقوم على تحفيز الطلب المتكرر (Recurrent Economic Demand) المرتبط بقطاعات السياحة الدولية، والضيافة، والنقل، والخدمات.

تندرج هذه الديناميكية ضمن حقل اقتصاد الثقافة (Cultural Economics)، الذي يعيد تعريف الثقافة بوصفها عنصرًا إنتاجيًا داخل الاقتصاد الكلي، وليس مجرد مكوّن رمزي. وتشير التقديرات العالمية إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية (CCIs) تسهم بنحو 3% إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع معدلات نمو تتجاوز عديدا من القطاعات التقليدية، ما يعكس انتقال الثقافة إلى موقع أكثر مركزية في بنية الاقتصاد الحديث. وفي هذا السياق، لا تقتصر قيمة الاقتصاد الثقافي على أثره المباشر بل تمتد إلى كونه مُمكّنًا هيكليًا (Cross- cutting Enabler) يولّد طلبًا مشتقًا (Derived Demand)، ويعزز الترابط بين القطاعات الاقتصادية بما يرفع كفاءة تخصيص الموارد ويضاعف الأثر الاقتصادي غير المباشر.

في النموذج الإسباني، بلغ دمج الفلامنكو ضمن اقتصاد التجربة (Experience Economy) مستوى متقدمًا من النضج، حيث يتم تقديمه في مدن مثل إشبيلية ومدريد وبرشلونة ليس كعرض مستقل، بل كجزء من تجربة اقتصادية متكاملة تربط بين المكان والهوية والخدمة. هذا التكامل أسهم في تحويل الثقافة إلى عنصر محوري داخل سلاسل القيمة السياحية، مع تحقيق مضاعف اقتصادي للإنفاق الثقافي يُقدَّر بين 2.5 و3.5 ضعف، ودعم قطاع سياحي يشكّل نحو 12% إلى 14% من الناتج المحلي الإسباني. ويعكس هذا النموذج قدرة الثقافة على العمل كمحرك اقتصادي مستدام ضمن منظومة إنتاجية واسعة وليس كقطاع استهلاكي معزول.

اقتصاديًا يمكن توصيف آلية خلق القيمة في الاقتصاد الثقافي عبر تسلسل تحليلي متكامل: Cultural Asset → Experience Design → Demand Generation → Value Chain Expansion → Exportable IP وهو تسلسل يوضح كيف تتحول الثقافة من أصل رمزي إلى تجربة اقتصادية، ثم إلى طلب مستمر، وصولًا إلى توسع في سلاسل القيمة، ثم إلى أصل قابل للتصدير والتوسع عالميًا.

في المقابل يشهد الاقتصاد الثقافي في السعودية تحولًا متسارعًا ضمن مستهدفات رؤية 2030، حيث تُقدّر مساهمة القطاع الثقافي والترفيهي بنحو 3% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، مع معدلات نمو سنوية تتجاوز 8% في بعض الأنشطة. وتعكس هذه المؤشرات مرحلة “تكوين السوق”، حيث يتوسع الطلب الثقافي تدريجيًا بالتوازي مع بناء البنية التحتية، مع دور محوري للاستثمار الحكومي في تحفيز النشاط الثقافي وتهيئة البيئة التنظيمية.

ومع انتقال القطاع إلى مرحلة أكثر نضجًا يبرز من منظور تحليلي توجه إستراتيجي نحو بناء سوق ثقافية مستدامة عابرة للحدود يقوم على إعادة هندسة الاقتصاد الثقافي ضمن إطار إنتاجي متكامل يركز على استمرارية القيمة بدلًا من ارتباطها بالفعاليات الموسمية، وذلك عبر 3 محاور رئيسية:

أولًا: استدامة الدورة الاقتصادية من خلال تحويل الفعاليات والمواسم الثقافية إلى نماذج تشغيلية ممتدة تضمن استمرار توليد الطلب والعوائد على مدار العام بدلًا من ارتباطها بفترات زمنية محددة.

ثانيا: تطوير أدوات القياس والحوكمة الاقتصادية عبر الانتقال من مؤشرات النشاط التقليدية إلى مؤشرات أداء مالية أكثر دقة، مثل العائد على الأصل الثقافي (ROI per Cultural Asset)، حجم الصادرات الثقافية، ومعدل نمو الشركات الإبداعية، إضافة إلى قياس مساهمة الثقافة في سلاسل القيمة العابرة للقطاعات. ثالثا، تطوير منظومات الملكية الفكرية الثقافية (Economic IP) عبر تحويل عناصر الهوية الثقافية إلى أصول قابلة للتراخيص والامتياز التجاري (Franchising) والتصدير، بما يفصل القيمة الاقتصادية عن القيود الجغرافية والزمنية.

كما يتطلب هذا التحول تطوير أدوات تمويل مبتكرة تدعم نمو القطاع واستدامته، من خلال نماذج مثل صناديق رأس المال الجريء الثقافي (Cultural Venture Capital)، وصناديق الاستثمار في الملكية الفكرية، ونماذج الامتياز الثقافي، بما يسهم في توسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، والانتقال من نموذج التمويل التشغيلي إلى نموذج التمويل الاستثماري القائم على العائد.

في المحصلة، يُظهر الاقتصاد الثقافي تحولًا أوسع في مفهوم القيمة الاقتصادية، حيث لم تعد القيمة محصورة في الموارد المادية، بل امتدت لتشمل الثقافة والهوية والتجربة. ويؤكد هذا التحول أن استدامة هذا القطاع لا تعتمد فقط على حجم الإنتاج الثقافي، بل على قدرته على الاندماج داخل منظومات اقتصادية متكاملة تعزز التنويع، وترفع كفاءة النمو، وتدعم استدامة التنمية على المدى الطويل.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية