السبت, 12 سبتمبر 2026|29 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تتزامن موجة الاستقالات المتلاحقة التي يشهدها البيت الأبيض مع واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسار الاقتصاد الأمريكي، إذ تقترب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026 في وقت تتراكم فيه ملفات اقتصادية ثقيلة، من تراجع القدرة الشرائية إلى اضطرابات الأسواق المرتبطة بملفات خارجية مفتوحة.

ورغم أن الاستقالات، في ظاهرها، شأن سياسي وإداري، إلا أن انعكاساتها الاقتصادية قد تكون أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، خصوصًا حين تُقرأ إلى جانب المؤشرات الاقتصادية والانتخابية الحالية.

غادر البيت الأبيض خلال أسابيع قليلة أكثر من سبعة مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم شخصيات كانت تشغل مواقع مؤثرة في صياغة الرسائل السياسية والاقتصادية للإدارة. هذا الحجم من التغيير في فترة زمنية قصيرة يصنع فجوة في الخبرة المؤسسية تحديدًا في اللحظة التي تحتاج فيها الإدارة إلى تنسيق دقيق بين قراراتها الاقتصادية وتوقيتها السياسي.

 فقدان مساعدين مطّلعين على تفاصيل الملفات التجارية والضريبية يعني أن أي قرار اقتصادي جديد سيُتخذ بفريق أصغر وأقل تراكمًا في الخبرة، وهو ما قد يبطئ سرعة الاستجابة لأي صدمة اقتصادية طارئة.

هذا التراجع الإداري يتزامن مع تدهور واضح في المؤشرات الاقتصادية الكلية. فبيانات الربع الأول من 2026 أظهرت نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2٫٠% فقط، مقابل تسارع في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي للتضخم (PCE) إلى 4٫5%، وهو تركيبة تثير مخاوف جدية من دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة "ركود تضخمي".

وقد تراجع مؤشر ثقة المستهلك إلى مستوى 57 نقطة تقريبًا، وهو من أدنى المستويات المسجلة منذ سنوات، ما يعكس شعورًا متزايدًا بعدم الأمان الاقتصادي لدى الأسرة الأمريكية.

هذا القلق الاقتصادي انعكس مباشرة على شعبية الرئيس ترمب. فبحسب استطلاع رويترز/إبسوس الصادر أواخر أغسطس 2026، تراجعت نسبة التأييد إلى 33% فقط، وهو أدنى مستوى يسجله ترمب في هذا الاستطلاع منذ توليه ولايته الثانية.

كما سجّل استطلاع "إيكونومست/يوغوف" النتيجة ذاتها عند إغلاق شهر أغسطس، فيما وضعه مركز بيو للأبحاث عند 34% مقابل معدل رفض مرتفع، مع فجوة حزبية تبلغ نحو 78 نقطة مئوية بين الجمهوريين والديمقراطيين.

والأهم من ذلك أن نسبة التأييد بين الناخبين المستقلين، وهي الفئة الحاسمة في الانتخابات النصفية، هبطت إلى نحو 34%، وهو مستوى وصفته تحليلات متخصصة بأنه يضع الإدارة "في منطقة الانتخابات الموجية"، بالمقارنة مع انتخابات 2018 حين خسر الجمهوريون أغلبية مجلس النواب عند مستوى تأييد كان أعلى نسبيًا يقارب 40-41%.

وتنعكس هذه الصورة أيضًا في استطلاعات التصويت العام لمجلسي الكونجرس، حيث يحافظ الديمقراطيون على تقدم يراوح بين 5 و7٫6 نقاط مئوية بحسب متوسطات مختلف مراكز الاستطلاع، وهو هامش وصفته بعض التحليلات بأنه من بين الأوسع منذ موجة انتخابات 2018 التي منح فيها الديمقراطيون 41 مقعدًا إضافيًا في مجلس النواب.

 ويشير محللون إلى أن التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب التصعيد في الملف الإيراني، من أبرز العوامل التي وسّعت هذه الفجوة خلال الصيف.

في ظل هذا المناخ، تستعد الإدارة، وفق ما تشير إليه التقارير، للكشف خلال الأسابيع المقبلة عن حزمة مقترحات اقتصادية جديدة تتضمن تخفيضًا ضريبيًا إضافيًا، في محاولة واضحة لاحتواء القلق الشعبي قبل صناديق الاقتراع.

غير أن توقيت هذه المقترحات، وسط حالة عدم استقرار في الجهاز التنفيذي وغياب المتحدثة الرئيسية عن مكتب الاتصالات، يثير تساؤلات حول مدى قدرة الإدارة على تسويقها وتنفيذها بفاعلية في نافذة زمنية ضيقة لا تتجاوز شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل موعد الاقتراع.

ولا يمكن فصل الصورة الاقتصادية الداخلية عن الملفات الخارجية المفتوحة التي تثقل كاهل الإدارة في الوقت ذاته. فاستمرار التوتر مع إيران ما زال يُبقي أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقب، بينما تتواصل المساعي لإنهاء الحرب في أوكرانيا دون أفق واضح للحل.

وفي موازاة ذلك، فتحت واشنطن جبهة تجارية جديدة مع كندا، وتصاعد التوتر مع كوريا الجنوبية، الحليف التقليدي للولايات المتحدة في آسيا. هذه الملفات مجتمعة تشكل مصدر عدم يقين إضافي للمستثمرين وللشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد وتجارة عابرة للحدود.

تبقى نتيجة انتخابات نوفمبر العامل الحاسم في تحديد المسار الاقتصادي للمرحلة المقبلة. فإذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب، وهو سيناريو ترجّحه معظم النماذج الحالية بناءً على هامش التقدم الديمقراطي الراهن، فمن المرجح أن تدخل الإدارة في وضعية دفاعية تستهلك جزءًا كبيرًا من طاقتها ومواردها في مواجهة تحقيقات برلمانية محتملة، بدلًا من التفرغ لمعالجة الملفات الاقتصادية بشكل مباشر.

أما في حال احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، رغم ضيق الهامش الحالي، فسيمنح ذلك الإدارة مجالًا أوسع لتمرير مقترحاتها الضريبية دون عراقيل تشريعية كبيرة.

في المحصلة، تكشف مجمل هذه المؤشرات، من تراجع النمو وتسارع التضخم إلى انهيار الثقة الشعبية وتوسع الفجوة الانتخابية، عن أزمة تتجاوز البعد الإداري لتلامس مباشرة قدرة الإدارة على معالجة الملف الاقتصادي في مرحلة دقيقة.

 ويبقى المؤشر الأبرز لمسار الأشهر المقبلة هو مدى قدرة الحزمة الضريبية المرتقبة على تحقيق أثر ملموس وسريع في القدرة الشرائية، قبل أن تحسم صناديق الاقتراع في نوفمبر شكل المرحلة الاقتصادية والسياسية المقبلة.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية سابقا، ومستشار إعلامي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية