محمد كركوتي
لم يشهد التاريخ الحديث للولايات المتحدة خلافاً حاداً جداً، بين رئيس البلاد، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي"، كما يحدث بين دونالد ترمب، وجيروم باول. الأول، لم يخف "كراهيته" للثاني، أما الأخير، فقد تمكن من البقاء "مقاوماً"، ليس لتحرشات الرئيس فقط، بل لمحاولات عزله من منصبه كحاكم لـ "المركزي".
أسباب الخلافات كثيرة، وباتت مملة من فرط تكرارها في المناسبات وغيرها، وعلى رأسها بالطبع، "التصادم" بيين الرجلين بشأن مستويات الفائدة. فالبيت الأبيض يريد سريعاً تكاليف افتراض أقل، بينما يلتزم باول بالسياسة المالية التقليدية التي توفر ضمانات، للسيطرة على التضخم، بعد عدة سنوات من تكاليف استهلاك، تركت أعباء ثقيلة في المجتمع الأمريكي عموماً.
مع اندلاع المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، صار الرئيس الأمريكي أكثر تمسكاً بضرورة إقدام "الفيدرالي" على خفض للفائدة قبل حلول منتصف العام الجاري. ترمب يريد تخفيف الأعباء على الناخب الأمريكي من ناحية التضخم، قبل الاستحقاق الانتخابي النصفي في نوفمبر المقبل، لكن جيروم باول، لم يهتم (كالعادة) بهذه الرغبة "الترمبية" الدائمة، وأبقى على مستويات الفائدة دون تغيير ما بين 3.50 و3.75 %. ولا شك أن "الفيدرالي" بهذا التوجه، يسعى لمعرفة مدى تأثير أزمة الطاقة التي ولدتها المواجهة في منطقة الخليج العربي على الاقتصاد الأمريكي، قبل أن يتخذ خطوة تيسيرية على صعيد تكاليف الاقتراض.
المشكلة الأكبر التي قد تعمق الخلاف بين الرجلين (ترمب وباول)، أن المؤشرات كلها تدل على أن خفض الفائدة ربما لن يتم قبل الربع الثالث من العام الحالي، ما يعني أن أوضاع الحزب الجمهوري في "انتخابات نوفمبر" ستتأثر سلباً، مع إمكانية ألا يترك باول منصبه كما هو مقرر الشهر المقبل، إذا تعذر تعيين خلف له، ولا سيما أن ذلك يتطلب تصويت مجلس الشيوخ، الذي يؤكد عدد من أعضائه الجمهوريين، بأنهم قد يعطلون المصادقة على رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" المقبل، حتى تنتهي قضائياً مجلس جيروم باول، الذي فتحته إدارة ترمب نفسها، في محاولة لعزله الرجل مبكراً.
وفي كل الأحوال، ستتواصل "الاضطرابات" بين المشرعين الماليين الأمريكيين والرئيس دونالد ترمب، لمدة أطول في ظل التعقيدات الإجرائية.
لا شك في أن معظم البنوك المركزية المؤثرة في الساحة العالمية، ستتخذ مواقف متحفظة حيال خفض الفائدة في الأشهر القليلة المقبلة، بسبب ما تتركه المواجهة في الشرق الأوسط على الساحة الاقتصادية، ولن يكون "الاحتياطي الفيدرالي" استثناء في هذا التوجه، ولا سيما إذا ما استمرت إدارته في تشكيلتها الحالية.
وسيكون من الصعب على إدارة أخرى جديدة، أن تتقدم بسرعة وتلبي رغبة البيت الأبيض في مستويات فائدة أقل، إلا إذا أراد ماكسويل وارش رئيس الاحتياطي الجديد الذي اختاره ترمب فعلا لخلافة باول، أن يجامل من عينه، ما سيدفع مستويات التضخم إلى ساحة الخطر.
كاتب اقتصادي
