الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


جيمي ماكجيفر

يأتي تجدد الخلاف التجاري بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منعطف حساس لكلا البلدين الواقعين في أمريكا الشمالية، وللاقتصاد العالمي. فقد يكون لأي خطأ بين دول مجموعة السبع المجاورة آثار اقتصادية واسعة النطاق.

فرضت إدارة ترمب رسومًا جمركية بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية يوم السبت بعد انهيار المحادثات الثنائية يوم الجمعة. قد تبدو هذه الرسوم متواضعة ظاهريًا، إذ لا تشمل سوى 5.5% من صادرات كندا إلى أمريكا، وهي سلع تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.

وبافتراض ثبات العوامل الأخرى، سيرفع هذا معدل الرسوم الجمركية الأمريكية الفعلي على الصادرات الكندية إلى 6.9% من 5.1%، وفقًا لأكسفورد إيكونوميكس. في نهاية المطاف، هذا أمر بسيط.

لكن احتمالية التصعيد وتداعياته الضارة كبيرة. تُعدّ كندا ثاني أكبر شريك تجاري منفرد للولايات المتحدة - متقدمةً على الصين - حيث بلغ إجمالي التبادل التجاري بينهما 715 مليار دولار العام الماضي، وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي.

كما استوردت كندا سلعًا وخدمات أمريكية أكثر من أي دولة أخرى العام الماضي. ويبدو أن كلا الجانبين قد شددا موقفهما. فقد توعد كارني بالرد بالمثل، وقال ترمب يوم الاثنين إن رسومًا جمركية بنسبة 50% على السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات الكندية ستدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير، في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وقد يُلحق هذا الخلاف المطوّل ضررًا بالغًا بالاقتصاد الكندي، بل قد يُؤدي إلى ركود اقتصادي.

وفي الوقت نفسه، قد يتضرر المستهلكون والشركات الأمريكية أيضًا - سواءً من خلال تكاليف الرسوم الجمركية نفسها، أو خسارة الصادرات، أو ارتفاع التضخم. لكن الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي هو التأثير الإقليمي المحتمل.

اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تحت التهديد

قد يُنذر صراع ترمب مع كندا بانهيار أكبر اتفاقية تجارية للولايات المتحد،  اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وللتذكير، تُعد المكسيك أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، حيث بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بينهما 872 مليار دولار العام الماضي. اتفاقية USMCA، وهي النسخة المُعدّلة من اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية لعام 1994، سارية المفعول منذ 6 سنوات، لكنها تواجه تهديدًا خطيرًا.

فقد اختار ترمب في الأول من يوليو عدم تجديدها، وإخضاعها لمراجعات سنوية، على الرغم من استمرار المفاوضات. وما لم تتفق الدول الثلاث على تعديلات جديدة، فسيتم إنهاء الاتفاقية تدريجيًا، ومن المرجح استبدالها باتفاقيات ثنائية، ما يزيد من حالة عدم اليقين والتعقيد لمستقبل عمليات الشحن العابر والاستثمار وتوريد المنتجات في سلسلة التوريد الحيوية هذه.

ولا تُوحي تصريحات ترمب بشأن تجديد اتفاقية USMCA بالثقة. «لا يهمني. أعني، لا أريد ذلك حقًا. أفضل أن نكون مستقلين. إليكم الأمر: المكسيك وكندا بحاجة إلينا، أما نحن فلا نحتاج إليهما. الاتفاقية مهمة لهما، وليست مهمة لنا»، هكذا صرّح ترمب لقناة فوكس نيوز في 28 يوليو. صحيح أن الأشهر السبعة عشر الماضية أظهرت أن ترمب غالبًا ما يتراجع عن تهديداته الأولية، وأن انهيار اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا سيُهدد المنتجين الأمريكيين، ما يجعل من غير المرجح أن يتخلى عنها تمامًا.

لكن تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وكندا يزيد من احتمالية حدوث ذلك. قد يؤدي هذا في نهاية المطاف إلى فقدان الوظائف، وارتفاع أسعار السلع، وزيادة التضخم، وتعقيد سلاسل التوريد، وتزايد حالة عدم اليقين الاستثماري.

احتمالية التداعيات:

قد تُرسل الخلافات بين الولايات المتحدة وكندا رسالةً إلى شركاء الولايات المتحدة التجاريين الآخرين. بينما اتخذ كارني موقفًا حازمًا ويبدو مستعدًا للدفاع عن استقلال كندا الإستراتيجي على حساب زيادة الاحتكاكات التجارية، اتخذت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم مسارًا معاكسًا، إذ اختارت تقليل الاحتكاك مع ترمب مقابل ما تأمل أن يكون وصولًا أوسع للشركات المكسيكية إلى السوق الأمريكية.

لم يتضح بعد أي نهج - إن وُجد - سيؤتي ثماره، لكن الدول الأخرى ستراقب الوضع من كثب. إذا نجح كارني في التصدي لتكتيكات ترمب العدوانية، فقد يُضعف ذلك سلطة الرئيس في فرض الرسوم الجمركية، التي كانت قد انخفضت بالفعل. وكانت المحكمة العليا قد ألغت في فبراير الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب، ما أجبر الإدارة على تطبيق رسوم الاستيراد بموجب مبررات قانونية بديلة.

من جهة أخرى، ومع انخفاض شعبية ترمب إلى مستويات قياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر، وعدم وجود أي مؤشرات على انفراجة في مستنقع الحرب الإيرانية، قد يسعى الرئيس الأمريكي إلى إحداث تأثير قوي على الساحة الدولية لإبراز قوة أمريكا العالمية. قد يدفعه هذا إلى التمسك بموقفه وتحدي كارني، لأن كندا هي الطرف الأكثر ضعفاً في هذه القضية.

مع أن ذلك قد يجعل نهج شينباوم يبدو أكثر ذكاءً، إلا أنه إذا كانت النتيجة النهائية إضعافاً كبيراً لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، فقد يخسر الجميع. ويأتي هذا التصعيد الأخير في وقت عصيب على الصعيد العالمي. إذ تقترب عوائد السندات طويلة الأجل من أعلى مستوياتها منذ عقود في جميع أنحاء العالم المتقدم، وتصل الحرب الأمريكية الإيرانية إلى شهرها السادس، ولا تزال طرق إمداد الطاقة تعاني شحّ الإمدادات. ولا يزال التضخم مرتفعًا بشكلٍ مقلق في عديد من البلدان. ​​وهذا ليس مناخًا مناسبًا لتهديد إحدى أكبر سلاسل التوريد وأكثرها أهمية في العالم.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية