أريج كعكي
يتوسع القطاع الصحي في السعودية، ومع هذا التوسع تتغير طبيعة القرارات المرتبطة بالاستثمار فيه. فلم تعد زيادة الطاقة الاستيعابية مسألة تتعلق بتوفير التمويل لبناء منشآت جديدة فحسب، بل أصبحت ترتبط بكيفية تحديد الاحتياج، واختيار الأصل أو الخدمة التي تستحق الاستثمار، وتصميم نموذج التمويل والتشغيل، وتوزيع المخاطر والالتزامات على مدى سنوات.
ويأتي هذا التحول في إطار رؤية 2030 وبرنامج تحول القطاع الصحي، الذي يضع تمويل الرعاية الصحية وتخصيص الموارد بما يضمن تحقيق القيمة من المخرجات ضمن سياساته. وهو توجه يعكس انتقال الاهتمام من توفير الموارد الصحية إلى تحسين كفاءة تخصيصها وتحقيق قيمة أكبر من استخدامها.
وتدعم مؤشرات الأداء هذا التحول؛ فقد بلغت نسبة التجمعات السكانية المغطاة بالخدمات الصحية 97.5% في 2025، مقارنة بـ84.13% في 2019، فيما وصل مؤشر جودة الخدمات الصحية إلى 70.4% في العام ذاته. كما يشير تقرير رؤية 2030 إلى استمرار التوسع في الوصول إلى الخدمات وتحسين جودتها.
ومع ارتفاع مستوى التغطية، تصبح قرارات المرحلة المقبلة أكثر ارتباطًا بكفاءة توزيع الاستثمارات بين المناطق والتخصصات، وبالقدرة على تحقيق نتائج مستدامة من الموارد المخصصة للقطاع.
ويرتبط قرار تمويل التوسع الصحي بمجموعة من الاعتبارات التي تتجاوز حجم الاستثمار المطلوب. فقد تتطلب زيادة الطلب تطوير أصول جديدة، أو رفع كفاءة الأصول القائمة، أو إعادة تأهيلها، أو توسيع نطاق الخدمات المقدمة من خلالها، بحسب طبيعة الاحتياج. كما تتأثر المفاضلة بين البدائل باستدامة الطلب المتوقع، وحجم الاستثمار، وتكلفة التمويل، ومدة المشروع، والمخاطر المرتبطة بالإنشاء والتشغيل، إضافة إلى التكلفة الكلية للأصل على مدى دورة حياته.
كما تتعدد الطرق التي يمكن من خلالها فصل ملكية الأصل عن تشغيله وتقديم الخدمة. فقد يبقى الأصل مملوكًا للحكومة مع إسناد تشغيله إلى القطاع الخاص، أو يتم تطوير أصل جديد وتمويله وتشغيله ضمن شراكة طويلة الأجل، أو يكون موضوع التعاقد هو تقديم خدمة متكاملة دون أن يكون إنشاء منشأة جديدة هو محور المشروع. وهذا التنوع يتيح تصميم نماذج تتناسب مع طبيعة كل احتياج.
وتوضح المشاريع المطروحة في السعودية هذا التنوع. ففي يونيو 2026 أطلق المركز الوطني للتخصيص وجامعة أم القرى مرحلة إبداء الرغبة لمشروع استكمال وتشغيل مستشفى جامعة أم القرى بطاقة 391 سريرًا، وفق نموذج التصميم والبناء والتمويل والتشغيل والصيانة لمدة 30 عامًا.
ويشمل المشروع تأهيل واستكمال الأعمال المتبقية للمستشفى، إلى جانب تشغيله وتقديم خدمات صحية وسريرية متكاملة وإدارة مرافقه وخدماته المساندة، بما يجعل تقييم المشروع مرتبطًا بتكلفته وأدائه ومخاطره على مدى مدة العقد، وليس بتكلفة الإنشاء وحدها.
وفي نموذج مختلف، أُعلن في مايو 2026 مشروع شراكة لتقديم خدمات رعاية أمراض الكلى المزمنة والغسيل الكلوي الوطني، يستهدف تقديم رعاية متكاملة لما لا يقل عن 11,500 مستفيد في مناطق متعددة من السعودية، ضمن عقد مدته 6 سنوات. ويشمل نطاق المشروع توفير المرافق والمعدات وتقنية المعلومات والكوادر الطبية والإدارية، وإدارة الخدمات السريرية وغير السريرية، بما في ذلك خدمات الغسيل الكلوي داخل المراكز والمنزلية والبريتونية وخدمات العيادات الخارجية لأمراض الكلى. ويجمع المشروع بين متطلبات المرافق والتجهيزات واستمرارية تقديم الخدمات السريرية ضمن نموذج تعاقدي طويل الأجل نسبيًا.
ويعكس اختلاف النموذجين تنوع الخيارات المتاحة لتطوير الخدمات الصحية، بما يجعل اختيار النموذج الملائم مرتبطًا بطبيعة كل مشروع واحتياجاته. وتختلف آثار التمويل الحكومي أو مشاركة القطاع الخاص بحسب حجم الاستثمار، وتكلفة التمويل، وتوزيع المخاطر، ومتطلبات التشغيل، ومدة المشروع. لذلك تستند المفاضلة بين البدائل إلى مدى ملاءمة كل نموذج لتحقيق مستوى الخدمة المستهدف، وإدارة المخاطر، وضبط التكاليف، والحفاظ على الأداء طوال دورة حياة المشروع. ويتسق هذا التنوع مع توجه منظومة التخصيص في رؤية السعودية 2030 إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية والخدمات العامة والاستفادة من الأصول الحكومية، بما يدعم الكفاءة وجودة الخدمات.
ومن هنا يمكن تطوير 3 مسارات عملية لرفع كفاءة تمويل التوسع الصحي:
أولًا: بناء إطار موحد لاختيار نموذج التمويل والتنفيذ. تتم من خلاله مقارنة البدائل الحكومية والخاصة والشراكات وفق حجم الاستثمار، وتكلفة رأس المال، ومخاطر الإنشاء والطلب والتشغيل، ومدة المشروع، والطرف الأكثر قدرة على إدارة كل خطر. ويساعد ذلك على جعل اختيار النموذج قرارًا اقتصاديًا يستند إلى خصائص المشروع، وليس مجرد قرار تمويلي.
ثانيًا: رفع جاهزية المشاريع قبل اتخاذ قرار التمويل. ويشمل ذلك تحديد الاحتياج المتوقع، والطاقة الاستيعابية المطلوبة، والتكلفة الكلية لدورة حياة الأصل، ومتطلبات التشغيل، وهيكل المدفوعات أو الإيرادات، والمخاطر المحتملة. وتوفر هذه المرحلة أساسًا أكثر دقة للمفاضلة بين البدائل، كما تساعد على الحد من التعديلات اللاحقة التي قد ترفع التكلفة أو تزيد الالتزامات طويلة الأجل.
ثالثًا: اعتماد مقياس موحد للقيمة المتحققة من الاستثمار الصحي. بحيث يمتد التقييم إلى ما بعد توقيع العقد أو اكتمال البناء، ليشمل تكلفة التشغيل والصيانة، واستخدام الطاقة الاستيعابية، وجودة الخدمة، والالتزام بالتكلفة والجدول الزمني، واستدامة الأداء، ومدى توافق توزيع الخدمات مع الاحتياج الفعلي.
ومع استمرار تطور القطاع الصحي وتنوع احتياجاته، ستظل قرارات الاستثمار مرتبطة بطبيعة كل احتياج وخصائص كل مشروع، بما في ذلك حجم الاستثمار، ومتطلبات التشغيل، وتوزيع المخاطر، والتكلفة على مدى دورة حياة الأصل أو الخدمة. ومن هذا المنظور، يصبح اختيار نموذج التمويل والتنفيذ جزءًا من عملية أوسع لتحديد البديل الملائم لكل مشروع، وفق معايير يمكن قياسها ومراجعتها على مدى فترة التنفيذ والتشغيل.
مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي
