خلال يناير 2026، وخلال لقاء جمع الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، ووزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في المغرب ليلى بنعلي، وقّعت السعودية والمغرب برنامجًا تنفيذيًا تنفيذًا لمذكرة تفاهم وُقّعت بين البلدين في 2022، للتعاون في مجال الطاقة المتجددة. ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز التعاون في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأنظمة التخزين، وبناء القدرات، وتمكين الشركات الوطنية من تنفيذ مشاريع مشتركة.
ويظهر هذا الاتفاق توجه البلدين نحو الاستثمار والتوسع في مشاريع الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية. غير أن هذه الاتفاقية تطرح سؤالًا إستراتيجيًا آخر: هل يمكن أن يتجاوز هذا التعاون إطاره الثنائي ليشكّل مسارًا محتملًا لوصول السعودية إلى الأسواق الأوروبية في مجال الطاقة النظيفة؟
ماذا تبحث عنه أوروبا اليوم؟
شهدت أوروبا تحوّلات عميقة في سياساتها المتعلّقة بمصادر الطاقة خلال السنوات الماضية، بسبب تقلبات الإمدادات والأحداث الجيوسياسية. ونتيجةً لذلك، ولتعزيز أمن الطاقة، وضع الاتحاد الأوروبي إستراتيجيات تهدف إلى تقليل الاعتماد على مصدر واحد للإمداد، وتسريع التحول نحو مصادر طاقة نظيفة ومستدامة. ولهذا تعمل الدول الأوروبية اليوم على إعطاء أولوية للهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة ضمن خططها طويلة المدى، وتسعى إلى بناء سلاسل توريد مستقرة وموثوقة تتوافق مع معايير بيئية صارمة وأطر تنظيمية عالية. وبناءً على ذلك، فإن أوروبا لا تبحث فقط عن طاقة نظيفة، بل عن شركاء قادرين على توفيرها بشكل مستقر ومتوافق مع هذه المتطلبات.
ماذا يقدّم التعاون بين السعودية والمغرب؟
يتميّز التعاون بين البلدين بتكامل واضح بين إمكانات الطرفين، فالمغرب تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها قريبة جدًا من القارة الأوروبية، ولا تفصلها عن إسبانيا سوى مسافة قصيرة عبر مضيق جبل طارق. كما تتمتع بعلاقات تنظيمية واقتصادية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، وتشارك في مشاريع طاقة متجددة ممولة أوروبيًا، مثل مشاريع الطاقة الشمسية والرياح المدعومة من مؤسسات أوروبية، ما يظهر مستوى عاليًا من الثقة المؤسسية.
وإلى جانب ذلك، راكمت المغرب خبرة مهمة في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من خلال محطات كبرى مثل محطة نور ورزازات للطاقة الشمسية ومشاريع الرياح في طنجة وتطوان، إضافة إلى امتلاكها بنية تحتية أساسية للربط الكهربائي مع إسبانيا، ما يجعلها بيئة مناسبة لتطوير مشاريع ذات طابع دولي.
وفي المقابل، تمتلك السعودية عناصر قوة رئيسية تشمل رأس المال، والتقنيات المتقدمة، والخبرة الطويلة في إدارة المشاريع الكبرى، إلى جانب شركات وطنية رائدة مثل أرامكو السعودية وأكوا باور، التي نفّذت مشاريع طاقة متجددة وهيدروجين في عدد من الدول، وتمتلك سجلًا قويًا في إدارة الاستثمارات واسعة النطاق.
كما تقود السعودية مشاريع إستراتيجية في مجال الطاقة النظيفة، مثل مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، ومبادرات سدايا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، إضافة إلى برامج كفاءة الطاقة والتحول الرقمي في إدارة الشبكات والمنشآت.
ورغم الحضور التاريخي القوي للسعودية في السوق الأوروبية من خلال صادرات النفط، إلا أن حضورها في مجالي الطاقة النظيفة والهيدروجين لا يزال في مراحله الأولى، ما يجعل البحث عن مسارات ذكية ومبتكرة للوصول إلى هذه الأسواق، عبر شراكات إقليمية مدروسة مثل التعاون مع المغرب، خيارًا منطقيًا يظهر رؤية إستراتيجية بعيدة المدى.
كيف يمكن أن يتم ذلك عمليًا؟
يمكن أن يبدأ ذلك من خلال دخول شركات سعودية كبرى، مثل أكوا باور وغيرها، في تطوير مشاريع طاقة شمسية ورياح داخل المغرب، بالشراكة مع مؤسسات محلية وأوروبية، بما يضمن توافق هذه المشاريع مع المعايير التنظيمية الأوروبية منذ مراحلها الأولى.
وفي مرحلة لاحقة، يتم توجيه جزء من هذا الإنتاج لإنشاء مرافق مخصصة لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، تعتمد على الكهرباء المتجددة منخفضة التكلفة، مع الاستفادة من التمويل والخبرة التشغيلية التي تمتلكها السعودية في إدارة المشاريع الكبرى.
أما على مستوى التصدير، فيمكن ربط هذه المشاريع بسلاسل إمداد قائمة أو مخططة نحو أوروبا، سواء عبر الموانئ المتخصصة لنقل الأمونيا والهيدروجين، أو من خلال مشاريع الربط الكهربائي القائمة بين المغرب وإسبانيا، والتي تمثل نقطة انطلاق طبيعية للأسواق الأوروبية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على جذب شركاء أوروبيين، ومؤسسات تمويل دولية، وشركات نقل وبنية تحتية، إذ لا تُنفّذ مشاريع بهذا الحجم دون منظومة استثمارية متكاملة، وهو ما يشكّل التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة.
السوق الأوروبية تعد من أكبر الأسواق في مجال الطاقة النظيفة، ومن أكثرها تأثيرًا في وضع المعايير التنظيمية، ما يجعل التفاعل معها عاملًا داعمًا لتعزيز الحضور الدولي، دون أن يكون على حساب الشراكات الأخرى. فإن دخول السعودية للسوق الأوروبية في مجال الطاقة النظيفة يظهر حرصًا على تنويع المنافذ وبناء شبكة علاقات متوازنة. ويمثّل التعاون مع المغرب نموذجًا عمليًا للاستفادة من التكامل الجغرافي والتنظيمي، مع الحفاظ على الاستقلالية الإستراتيجية.
ورغم أن هذا المسار لا يضمن تلقائيًا الوصول إلى السوق الأوروبية، ولا يمكن أن يتحقق دون شراكات أوسع وتمويل دولي وبنية تحتية متخصصة، إلا أنه يظهر استعداد السعودية للتحرك المبكر، والاستثمار في منظومات متكاملة، وبناء حضور طويل المدى في قطاع الطاقة النظيفة، ما يعزّز دورها كقوة مؤثرة في صياغة مستقبل الطاقة العالمي، بما يتوافق مع مصالحها ورؤيتها الوطنية.
مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة
