لسنوات طويلة، ارتبطت صناعة الدواء بالولايات المتحدة وأوروبا، بينما عرفت الصين أكثر بتصنيع الأدوية الجنيسة، وهي نسخ أقل تكلفة من أدوية انتهت براءات اختراعها. لكن خلال السنوات الأخيرة بدأت الصورة تتغير، مع دخول الشركات الصينية بشكل أكبر في تطوير الأدوية المبتكرة، وهي أدوية جديدة يتم تطويرها من خلال البحث والتجارب السريرية.
ويظهر هذا التحول بشكل واضح في صفقات الترخيص. ففي 2024، كانت نحو 31% من الأدوية والمشاريع العلاجية الجديدة التي حصلت شركات الدواء الكبرى على حقوق تطويرها من شركات خارجية من الصين. كما ارتفعت قيمة صفقات ترخيص الأدوية الصينية من نحو 5 مليارات دولار في 2020 إلى أكثر من 50 مليار دولار في 2024، وهو نمو كبير خلال فترة قصيرة نسبيا.
جزء من هذا التحول يعود إلى انخفاض تكلفة تطوير الأدوية في الصين. فبحسب تقرير لبنك DBS السنغافوري، تبلغ تكاليف العمالة والبحث والتطوير في الصين نحو 30% إلى 50% من المستويات العالمية. كما تسارعت إجراءات الموافقة على الأدوية، إذ انخفض متوسط الوقت الذي تستغرقه الجهات التنظيمية لمراجعة طلبات الأدوية من نحو 4.5 سنوات في 2018 إلى نحو عام واحد في 2023.
الصين أيضا لديها قاعدة كبيرة من المرضى، وهذا يساعد الشركات على تنفيذ التجارب السريرية والوصول إلى المشاركين بشكل أسرع. وهذه نقطة مهمة في صناعة قد يستغرق فيها تطوير دواء جديد سنوات طويلة، وتحتاج الشركات خلالها إلى إنفاق مبالغ كبيرة قبل وصول الدواء إلى السوق وتحقيق إيرادات منه.
لذلك لم تعد ميزة الصين في صناعة الدواء مرتبطة فقط بانخفاض تكلفة التصنيع، بل بدأت تظهر أيضا في سرعة وتكلفة تطوير الأدوية الجديدة، وهو ما يعطي الشركات الصينية فرصة أكبر للوصول إلى مراحل متقدمة من التطوير في وقت أقصر وبتكلفة أقل.
وهذا يفسر جزءا من توجه شركات الأدوية الغربية نحو الشركات الصينية. شركة GSK البريطانية وقعت اتفاقية مع Hengrui الصينية يمكن أن تصل قيمتها إلى 12.5 مليار دولار للحصول على حقوق تطوير مجموعة من الأدوية. كما دفعت Pfizer نحو 1.25 مليار دولار مقدما لشركة 3 SBio الصينية مقابل حقوق دواء تجريبي لعلاج السرطان.
ويظهر هذا التحول أيضا داخل الشركات الصينية نفسها. فشركة Hengrui مثلا أصبحت تحقق أكثر من 63% من إيراداتها الدوائية من الأدوية المبتكرة، في مقابل تراجع مساهمة الأدوية الجنيسة في أعمالها.
طبعا من المبكر القول إن الصين أصبحت متفوقة على الولايات المتحدة وأوروبا في صناعة الدواء. الولايات المتحدة ما زالت تملك منظومة قوية من الجامعات وشركات التقنية الحيوية ورأس المال ومراكز الأبحاث.
ما يحدث في الصين اليوم هو انتقال من التصنيع منخفض التكلفة إلى الأنشطة الأعلى قيمة، وفي مقدمتها تطوير الأدوية الجديدة والمبتكرة. وإذا استمر هذا التحول، فقد تصبح الصين خلال السنوات المقبلة من أقوى مراكز صناعة الدواء عالميا، وليس فقط أحد أكبر مراكز تصنيعها.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
