تجاوزت الصين مرحلة حرجة أخيرًا. فبعد خمس سنوات من بدء بكين حملة قمع على قطاع العقارات المتضخم، يسير اقتصادها الآن على مسار أكثر استدامة يرتكز على نمو عالي الجودة، وقد خلّف التصحيح آثارًا أقل بكثير مما كان يخشاه كثيرون.
يشهد قطاع العقارات الصيني سوقًا هابطة منذ 2021، حيث انخفضت الأسعار بنسبة تراوح بين 40% و50%. وكان هذا جزئيًا نتيجة تخطيط مُسبق. فقد سعت بكين في عام 2020 إلى كبح جماح فقاعة العقارات المتضخمة من خلال سياسة "الخطوط الحمراء الثلاثة" التي فرضت قيودًا صارمة على المديونية في القطاع.
رغم أن ضعف قطاع البناء الصيني والقطاعات المرتبطة به قد يستمر في التأثير سلبًا في النمو الاقتصادي خلال العام المقبل، إلا أن تصحيح سوق العقارات يبدو أنه قد بلغ أدنى مستوياته. فقد بدأت أسعار العقارات في شنغهاي بالارتفاع في السوق الثانوية، وتراجعت وتيرة انخفاض أسعار المنازل مجددًا في مارس، مع تسجيل أسوأ انكماش في الأسعار في أواخر عام 2024.
وبالنظر إلى حجم انكماش سوق العقارات، فمن اللافت للنظر أن الصين لم تشهد سوى قليل من الانهيارات. يتناقض هذا مع التوقعات المتشائمة التي أشارت إلى أن التصحيح سيكون مماثلاً لما حدث في اليابان بعد بلوغ سوق العقارات ذروتها 1989، أو أسوأ منه بكثير.
ففي اليابان، انخفضت أسعار العقارات بنسبة 80% عن ذروتها، وشهد القطاع المصرفي أزمة 1997، ووقع الاقتصاد في فخ انكماشي استغرق 25 عامًا للخروج منه، وذلك فقط بعد ضخ كميات هائلة من النقود من قبل بنك اليابان وحزمة تحفيز مالي ضخمة من وزارة المالية. نتيجةً لذلك، ظلّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار في اليابان ثابتًا منذ تسعينيات القرن الماضي، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي. وبناءً على هذا المقياس، تراجعت اليابان من المركز الثالث عالميًا 1995 إلى المركز 32 حاليًا، خلف جمهورية التشيك.
وكانت الصين قد دخلت أزمة العقارات أكثر عرضةً للمخاطر من اليابان - أو هكذا كان الاعتقاد السائد في الفترة 2021-2022 - لأنها لم تكن غنيةً بعد حين وقعت أزمتها. وخشي كثيرون من أن تؤدي صدمةٌ ما إلى انهياراتٍ أخرى في الاقتصاد والنظام المالي. لكن هذا لم يحدث. إذ تمكنت الصين من تحقيق نموٍّ حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% سنويًا، حتى مع انكماش قطاع العقارات.
والأهم من ذلك، أن بكين استغلت هذه الفترة العصيبة كفرصةٍ لتحويل هدف سياستها من تعظيم النمو الاقتصادي إلى تحسين جودته. ففي العقد الذي سبق جائحة كوفيد-19، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين نحو 7%، بينما بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ما بين 10% و11%.
منذ ذلك الحين، تباطأ النمو بنسبة تراوح بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية. قد يبدو هذا التراجع مثيرًا للقلق، ولكنه في الواقع مؤشر إيجابي على التحول نحو نموذج نمو أكثر استدامة.
الجودة أهم من الكمية
لم يعد الناتج المحلي الإجمالي للصين مدفوعًا بطفرة الإسكان، بل أصبح مدعومًا بأنشطة من شأنها دعم التنمية طويلة الأجل للصين. ويشمل ذلك الجهود المبذولة لتحقيق الريادة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتصنيع عالي التقنية، والطاقة البديلة.
وبشكل أوسع، تُحرز الصين تقدمًا ملموسًا في تطوير منظومة صناعية مكتفية ذاتيًا. ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى خطة "صنع في الصين 2025"، التي ساعدتها على الارتقاء في سلسلة القيمة. الصين - التي تتمتع بقوة وسرعة - باتت قادرة الآن على منافسة منافسيها من أوروبا والولايات المتحدة في السلع عالية القيمة، مثل السيارات الكهربائية والروبوتات.
ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى استراتيجيتين رئيسيتين. أولًا، تبنّت الصين استراتيجية سريعة للغاية تجمع بين المحاكاة والابتكار. فبالاستفادة من جيشها من المهندسين والخريجين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، تحاكي الصين كلما أمكنها ذلك، وتبتكر عند الضرورة.
وتفعل ذلك بسرعة فائقة. فعلى سبيل المثال، دورة إنتاج السيارات لدى شركات صناعة السيارات الصينية أسرع بمرتين تقريبًا من نظيرتها الأوروبية. إذ يستغرق طرح الطرازات الجديدة من سنة ونصف إلى ثلاث سنوات لدى الشركات الصينية، مقارنةً بأربع إلى ست سنوات لدى منافسيها الأوروبيين.
ثانيًا، تأتي استراتيجية الصين 80/20، حيث تحقق 80% من أحدث التقنيات بتكلفة لا تتجاوز 20% من التكلفة الأصلية. وقد مكّن هذا الصين من الارتقاء في سلم القيمة المضافة والحفاظ على قدرتها التنافسية السعرية عالميًا. ولنا في شركة DeepSeek خير مثال.
فقد كان إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي اللغوي الضخم (LLM) في يناير 2025 بمنزلة صدمة، ليس لأن DeepSeek حققت أداءً أفضل من نظيراتها الأمريكية، بل لأنها تمكنت من تحقيق أداء جيد جدًا بتكلفة زهيدة. تُشبه استراتيجية 80/20 استراتيجية التناوب في سباقات الدراجات. فالصين تتراجع بثبات خلف المتصدرة، أمريكا. تسير الصين بسرعة تقارب سرعة أمريكا، لكنها تُحافظ على طاقتها لاستخدامها لاحقًا.
توقيت مناسب
بالطبع، لا تزال هناك أسباب تدعو للقلق. لا تزال الصين تُكافح لتحفيز الطلب المحلي بشكل كافٍ، وقد أدت المنافسة الشرسة إلى تقليص هوامش الربح في السوق المحلية. مع ذلك، فإن سوق التصديرلا تزال الصين توفر عادةً هوامش ربح سخية للمنتجين الصينيين.
فعلى سبيل المثال، تحقق شركة BYD لصناعة السيارات ربحًا متوسطًا قدره 440 دولارًا أمريكيًا لكل سيارة تُباع في الصين. إلا أن هامش ربحها لكل سيارة خارج الصين يرتفع إلى 3000 دولار أمريكي، وفقًا لشركة CITIC Securities، أكبر شركة وساطة في الصين.
وتُعدّ التوترات التجارية مع الولايات المتحدة نقطة خلاف أخرى، إذ حدّت من وصول الصين إلى أكبر سوق تصدير في العالم. مع ذلك، زادت الصين صادراتها بشكل ملحوظ إلى بقية دول العالم، ولا سيما آسيا وأوروبا والأسواق الناشئة. ولا يخلو التنافس مع الولايات المتحدة من جوانب إيجابية، فقد يُسهم في دفع عجلة التقدم التكنولوجي في الصين وانتشار تبني التقنيات الجديدة، كما أتاح للصادرات الصينية المنافسة في نطاق أوسع من فئات القيمة المضافة في أسواق جديدة.
علاوة على ذلك، يُعدّ توقيت تعافي الصين مناسبًا للغاية. قد يشعر المستثمرون العالميون، الذين لا يزالون يعتمدون بشكل كبير على الولايات المتحدة، بالقلق إزاء تحركات أمريكا الجيوسياسية غير المتوقعة ومشاكلها المالية، وبالتالي يسعون إلى التخلص من بعض أصولهم الأمريكية. سيحتاج رأس المال هذا إلى وجهة استثمارية مناسبة.
كاتب اقتصادي في وكالة رويترز والرئيس التنفيذي والرئيس المشارك للاستثمار في شركة يوريزون SLJ لإدارة الأصول.
