تواجه الصين خيار إلغاء تدريجي لحافز رد الضرائب على صادرات السيارات الكهربائية لتقليل التوترات مع الاتحاد الأوروبي، الذي يعاني من عجز تجاري كبير. الخطوة تهدف إلى دعم الشركات الأقوى وتقليص فائض الإنتاج، مع توقع بيع أكثر من 12 مليون مركبة في الخارج هذا العام، وسط مخاوف أوروبية من تأثير الصادرات الصينية على الوظائف المحلية.
فيما تقف أوروبا والصين على شفا حرب تجارية، تواجه بكين خياراً حاسماً: إما تقديم تنازل لتهدئة التوترات، أو تأجيجها. الأجدى لها اختيار المسار الأول، وسيكون الإلغاء التدريجي لحافز يكافئ شركات صناعة السيارات الصينية على زيادة مبيعاتها في الخارج نقطة انطلاق جيدة.
خطوة لتهدئة التوتر
لن يؤدي إلغاء ردّ ضريبي كان قد دعم المصدّرين الصينيين لعقود، بمفرده، إلى معالجة جميع شكاوى الاتحاد الأوروبي. لكنه بداية لمعالجة أحد أكبر مصادر التوتر، وهو العجز التجاري مع الصين الذي يتجاوز حالياً مليار دولار يومياً. والأهم من ذلك أن هذه الخطوة ستقدم دليلاً ملموساً على استعداد بكين لتقديم تنازلات.
هناك أيضاً سبب مقنع آخر. تحاول الصين كبح حرب الأسعار وفائض السعة الإنتاجية للمصانع، اللذين يعاني منهما قطاع السيارات لديها. ومن شأن تقليص رد ضريبة القيمة المضافة على صادرات السيارات الكهربائية، البالغ 13%، ثم إلغائه في نهاية المطاف، أن يزيد الضغوط على الشركات المصنّعة الأضعف، ما يضطرها إلى تقليص حجم أعمالها أو الإغلاق، ما يترك المجال أمام أقوى الشركات المصدرة للمنافسة، اعتماداً على قدراتها الذاتية.
تعود برامج رد الضرائب إلى عام 1985، عندما كانت الصين تسعى للحصول على العملات الأجنبية وبناء قدراتها التصنيعية. وتعد هذه الحوافز شائعة على مستوى العالم، إذ تتيح للمصدرين استرداد الضرائب المدفوعة على المواد الخام المستخدمة في تصنيع السلع المبيعة في الخارج. وفي عام 2021، بدأت بكين خفض مبالغ رد الضرائب لقطاعات مثل الصلب والألمنيوم والنحاس ومنتجات الطاقة الشمسية والبطاريات، بعدما وصلت إلى مرحلة من النضج لم تعد تحتاج معها إلى هذه الحوافز.
السيارات الصينية تكتسح السوق الأوروبية
حان الوقت الآن لإضافة السيارات الكهربائية إلى هذه القائمة. فرغم أن شركات صناعة السيارات الصينية تبيع مركباتها في الخارج منذ أكثر من 20 عاماً، لم تبدأ ترسيخ مكانتها بوصفها أكبر مصدري سيارات الطاقة النظيفة في العالم إلا أخيرا. ومن المتوقع أن تبيع أكثر من 12 مليون مركبة في الخارج خلال العام الجاري، بما يشمل سيارات الركاب والحافلات والشاحنات، بزيادة 44% عن 8.3 مليون مركبة في 2025.
وفقاً لتقديرات حديثة صادرة عن الجمعية الصينية لسيارات الركاب. وفي أوروبا، انتقلت العلامات التجارية الصينية من كونها شبه مجهولة قبل 5 سنوات إلى التفوق في المبيعات على منافساتها الكورية الجنوبية واليابانية.
لكن المشكلة ليست في الاستحواذ على حصص سوقية. فما يثير قلق صناع السياسات الأوروبيين هو تأثير هذه المكاسب على الوظائف، إذ ما زالت صناعة السيارات واحدة من أهم القطاعات الصناعية في القارة، وتوفر فرص عمل لملايين الأشخاص بصورة مباشرة أو من خلال شبكات الموردين. وحذرت أكبر نقابة عمالية في ألمانيا الأسبوع الماضي من نشوب نزاع عمالي بعدما أنهت "فولكس واجن" عدداً من اتفاقيات الأجور، متذرعة صراحة بتزايد ضغوط الأسعار من الشركات المصنعة الصينية. وكانت الشركة الألمانية العملاقة قد أعلنت بالفعل إلغاء 100 ألف وظيفة، فيما تخطط "بي إم دبليو" لإلغاء ما يصل إلى 8 آلاف وظيفة.
مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي
تساعد هذه الضغوط على تفسير سبب حاجة بكين إلى تقديم شيء يتجاوز التهديد بالرد الانتقامي، عندما يجتمع مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش مع نظيره الصيني وانغ وينتاو اليوم. ومن شأن الإلغاء التدريجي لرد الضرائب على الصادرات أن يقلص ميزة انخفاض التكلفة التي تتمتع بها الشركات المصنعة الصينية، من دون اللجوء إلى فرض حصص أو قيود أخرى على الأسواق التي يمكنها بيع منتجاتها فيها.
لن يكون إلغاء رد الضرائب بالأمر الهين. فسنوات من المنافسة السعرية أدت إلى تقلص هوامش الربح في جزء كبير من قطاع السيارات، ما يجعل هذا الحافز ذا قيمة كبيرة. فقد بلغ إجمالي مبالغ رد الضرائب 318 مليار دولار في العام الماضي. وسيجبر إلغاء هذا الحافز الشركات المصنعة على رفع الأسعار، أو إيجاد سبل إضافية لخفض التكاليف، أو تحمل أثر الإلغاء ببساطة.
وتشير تقديراتي التقريبية، استناداً إلى إيرادات شركة "بي واي دي" من أنشطة السيارات في الخارج وحجم مبيعاتها، إلى أن قيمة الميزة الضريبية التي استفادت منها الشركة ربما بلغت 16.8 مليار يوان (2.5 مليار دولار) في النصف الأول من العام الجاري. ويتجاوز ذلك صافي أرباح الشركة البالغ 12.3 مليار يوان خلال الفترة نفسها.
رغم ذلك، من المجدي إلغاء رد الضرائب تدريجياً على مدى عام أو أكثر. فوكلاء السيارات وغيرهم من الشركاء في الأسواق الخارجية يدركون جيداً قيمة هذه الميزة الضريبية وبدأوا بالفعل إدراج هذا الحافز ضمن توقعاتهم للأسعار، وانتزعوا تنازلات من المصدرين الصينيين على أساسه.
غربلة شركات السيارات الصينية
أمضت بكين العامين الماضيين في محاولة كبح المنافسة الشرسة التي دفعت الأسعار والأرباح إلى الانخفاض. ومن شأن الإلغاء التدريجي لهذا الحافز أن يدعم ذلك الهدف. فالشركات المصنعة الأكبر حجماً والأقوى مالياً ستكون أقدر على تحمّل خسارة هذا الدعم، في حين ستواجه الشركات الأضعف ضغوطاً متزايدة لتقليص خسائرها.
كان هدف السياسة الصناعية الصينية بناء شركات مصنعة للسيارات الكهربائية قادرة على المنافسة عالمياً. والآن، بعدما تحقق هذا الهدف، يتعين على شركات صناعة السيارات الأكثر نجاحاً أن تثبت قدرتها على تحقيق النجاح في الأسواق الخارجية من دون أن يتحمل دافعو الضرائب التكلفة. وسيمنح إلغاء رد الضرائب أوروبا والأسواق الأخرى فرصة لالتقاط الأنفاس، فيما يجبر فيه قطاع السيارات الصيني المكتظ بالشركات على النضوج أخيراً.
كاتبة عمود في فريق بلومبرغ أوبينيون الآسيوي، وتغطي إستراتيجية الشركة وإدارتها في المنطقة. كبيرة محرري الأعمال في شبكة سي إن إن لآسيا، ومراسلة لقناة بي بي سي نيوز ورويترز سابقا.
خاص بـ " الشرق بلومبرغ"
